فهرس الكتاب
هذان البيتان في سياق القصيدة توقفنا على أمومة رمزية تسبغها مكة على الناس منزلة أبنائها، وهي تحيل الأفضلية من الذاكرة إلى الشعور، ومن الباطن النفسي إلى التاريخ وبالعكس... وهكذا يطل الشاعر على مكة من نافذة الخيال، مشيرًا إلى معناها (الحناني) مبتعدًا عن الإشارة إليها بحسيّة. ... ـنَ حياةً، على ثراك شهيه
الحراك الإيماني الجواني:
قد يقف مغرم بالتاريخ على أطلال آثار درست، وقد يتلمس ما تبقى منها، أو يقرأ على حجر من أحجارها كليمات تدل على حضارة أهلها؛ فإن الوقفة تلك قد تعيده إلى الوراء كثيرًا أو قليلًا، وقد تتعب قدماه، أو تحرقه أشعة الشمس الطالعة في حمّارة القيظ، لكنه عندما يقف أمام مكة، يكون قلبه السابق إلى الرؤية، وتكون روحه المستفيضة من المعنى، وعيناه المشوقة إلى المبنى... هذا الحراك الذاتي مضافًا إليه ما شرّعه الإسلام لمكة من حُرمة وأمن، وما تمثل لها تاريخًا من عزة وحرية، ينتهي بنا التصور إلى تملي أفق المكان الذي يتجسم في موضوعة شاملة لها آفاقها ورموزها ودلالاتها ومناحيها النفسية والمعنوية، فيتوجه الخطاب إليها مباشرة، يقول الشاعر محمد حسن عواد: ( [14] )
الأصابيح والأماسي ينبضـ
كم تشهت مذاقها أمم الغر ... ب فطارت بها الأماني العتيه
كل أصبوحة تتيه بعمـ ... ـلاق تباهي بشأنه أمسيّه
وجبال مفتونة بالرمال الـ ... ـميث ممراحة الضباء الأبيه
يسرح الذئب في مساهبها الد ... هم، وتهفو القطاة والأرويّه
فالأبيات جميعا قائمة على صورة لمكة تنفي الهيمنة والقهر والاحتكار، اجتماعيًا وطبيعيًا، وتعرض ذواتًا متحدة على الرغم من التنوع، وهو تنوع يقوم على الحرية بعيدًا عن القسر والقولبة، وهذا ما يجعل مكة زمنًا نابضًا بالحياة، وليس مكانًا فحسب للسكنى والتجمع والسمر، من هنا تكون التبادلية بين الفكر الخلاق والمكان العملاق.