فهرس الكتاب

الصفحة 23491 من 23694

أما الفقهاء والمتكلمون فقد أنكروا على الصوفية استخدامهم بعض الألفاظ والمصطلحات التي جرت على ألسنة الشعراء الغزليين كالغرام والعشق والخمر والكأس والوصل وغيرها، كما حرموا تشبيه الله بـ"ليلى"و"نعمى"وغيرهما من محبوبات العذريين، وقد اعتبروا ذلك خروجًا عن الشريعة وتمردًا على أحكامها. فحب الله عند رجال الدين يتمثل في عبادته وطاعته لا عشقه والهيام به كما يحدث عند الشعراء الغزليين.

غير أن الحب الإلهي عند شعراء الصوفية يعتمد على الرموز والمصطلحات ولا تدرك معانيه إلاَّ بالتأويل. وكان أول شعر ورد فيه ذكر صريح للحب الإلهي قد تضمنته مقطوعة شعرية مشهورة نسبها المؤرخون إلى رابعة العدوية المرأة الصوفية:

أحبك حبين، حب الهوى

فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتى أراك

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاك ( [9] )

كانت رابعة (ت 185هـ ـ 801م) أمة معتقة، تعزف على الناي، وظلت عازفة عن الزواج، وأمضت حياتها الطويلة متعلقة بالحب الإلهي ( [10] ) . نشأت هذه الجارية بالبصرة فقيرة محرومة من أبسط ضرورات الحياة فانجرفت إلى عالم المجون واللهو، وبعد استفاقتها اعتزلت الدنيا ومتاعها وعكفت على نفسها تكفر عما اقترفته في حياتها من إثم، فبذلت نفسها كلها لله. رفعت عنصر الحب بمعناه الحسي إلى حب إلهي، فاصطبغ توسلها إلى الله بصبغة الحب والرغبة في الاتصال بالمحبوب الأعلى ( [11] ) . بلغ صيتها أصقاع العالم الأوربي في العصور الوسطى من خلال كتاب"حياة القديس لويس"الذي ألفه جوانفيل (Joinville) ، وعدّوها أكبر قديسة في تاريخ أولياء أهل السنة ( [12] ) . ... وحصل موسى اليم تابوتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت