نسج الشاعر الصوفي قصائده على منوال الشعراء العذريين، فردد أشعارهم مستخدمًا لغة الحب ورموز المحبين بالطريقة نفسها التي يستخدمها شعراء بني عذرة في تغزلهم بمحبوباتهم، بحيث لا نستطيع التمييز بين ما يتغنى فيه الشاعر الغزلي بالحب الإنساني وما يتغنى فيه الشاعر الصوفي بالحب الإلهي. وقد فضلوا مذهب العذريين لأنهم وجدوا فيه الوسيلة المثلى التي من خلالها يمكنهم التعبير عن أشواقهم وأحوالهم، ولأنهم يقدسون الحب أيضًا.
ونظرًا لجمال بلاد الأندلس وجناته الفاتنة تأثر الصوفيون الأندلسيون بمناظر الطبيعة وبهاء عناصرها الحية والجامدة، فمجدوها للتعبير عن مشاعرهم الصوفية وأشواقهم للقاء الخالق لما فيها من دلالة على عظمة الله وقدرته. فراح الشعراء الصوفيون يشخصون عناصر الطبيعة ويستلهمون من أصنافها صفات الذات الإلهية على غرار ما ذهب إليه الشعراء الغزليون في حبهم الإنساني.
والحب الصوفي ظاهره طبيعي وباطنه روحاني. فالحب الروحاني يتمثل في الزهد والتجرد من طيبات الحياة سعيًا للفناء في الذات الإلهية. والشاعر الذي يعتنق هذا الحب الروحاني الأفلاطوني يهب نفسه كلها لله ولا يرغب في شيء آخر سوى الله، فهو يقوم بهذه المجاهدات ليس حبًا في الجنة ولا خوفًا من النار. يريد الصوفي لنفسه التي بذلها لله وحده،"أن تموت موتًا عذبًا محترقة بالشوق الحار إلى الاتحاد به" ( [7] ) . قالت رابعة العدوية:"ما عبدته خوفًا من ناره، ولا حبًا لجنته، فأكون كأجير السوء، بل عبدته حبًا له وشوقًا إليه" ( [8] ) . ويرحب الشاعر الصوفي بما يلاقيه من عناء وسوء حظ لاعتقاده أن هذا كله من الله.