فهرس الكتاب

الصفحة 23495 من 23694

لكن محيي الدين بن عربي لم يقصد كل الأديان، فمن خلال هذه الأبيات يتجلى بوضوح أن الأديان التي يعتبرها كلها وسائط لحب الذات الإلهية هي أديان أهل الكتاب، وهي اليهودية، والمسيحية، بالإضافة إلى الإسلام. ذلك أن هذه الأديان الثلاثة في نظر ابن عربي، خلاصتها دين واحد، تطور عبر العصور إلى أن استقر في الإسلام. ولهذا فإن المسيحي أو اليهودي الذي يعتنق الإسلام لا يغير حقًا من دينه ( [22] ) .

صنف ابن عربي كتبًا كثيرة ما بين منظوم ومنثور، من أهمها"الفتوحات المكية"، و"فصوص الحكم"الذي مزج فيه التصوف بالفلسفة، و"ترجمان الأشواق"، وهو ديوان شعر جسد فيه معاني الحب الإلهي، ولجأ في الكثير من مصنفاته إلى الرمز تجنبًا لانتقادات الفقهاء ممن يستثقلون تأويل كلامه. ومع ذلك اتهمه أهل الظاهر بالكفر والإلحاد،"فكان من أشدهم ابن تيمية وابن حجر العسقلاني وإبراهيم البقاعي الذي صنف في ذلك كتابين أحدهما"تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي"، والثاني"تحذير العباد من أهل العناد وبدعة الإلحاد" ( [23] ) . على أن الكثير من أهل العلم والتنوير قد أنصفوه وتأولوا كلامه تأويلًا مقبولًا."

عمل ابن عربي على نشر الموشحات الصوفية في بلاد المشرق، بحيث تعرف المشارقة على الموشحات الأندلسية من خلال"الديوان الأكبر"الذي نظمه ابن عربي في الشام. أما ديوانه الأول وهو"ترجمان الأشواق"فقد وضعه في رحاب مكة المكرمة، التي أقام فيها وتعلق بحب"نظام"الفتاة الحسناء التي فتنته وهي ابنة أبي شجاع الأصفهاني إمام الحرم المكي.

وكان ابن عربي أول من نظم الموشحات الصوفية في الأندلس وأدخل عليها الرموز والمعاني الدينية. وحبه لـ"نظام"الملقبة بـ"عين الشمس"ـ وكانت متصوفة هي أيضًا ـ قد زاد من لوعة الشاعر، مما أضفى على موشحاته نوعًا من العذوبة والرقة. وقد عارض ابن عربي في موشحاته الصوفية بعض الوشاحين الغزليين المشهورين في الأندلس أمثال ابن زهر وابن بقي وغيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت