فهرس الكتاب
كل تغير في الفكر الإنساني في العصر الحديث ـ وما أكثر تلك التغيرات ـ كان يفتح آفاقًا لقراءة العلاقة مع التراث من جهة، وإنارة جوانب متعددة من هذا التراث من جهة أخرى، وقد تأثر هذا التفاعل بالقراءة الساعية إلى الهرب إليه طورًا؛ واستعادته لإسقاطه على الحاضر تارة؛ والبحث عن محايث فيه لما يحدث في الواقع أحيانًا، أما التراث الذي قصده الأدباء العرب كما يظهر في نصوصهم فهو الآخر له خصوصيته؛ إذ كان في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين يعني من جملة ما يعني النصوص الشعرية القديمة وكذلك النصوص النثرية المكرسة مثل المقامات إضافة إلى التأثر اللغوي، وفي الطور اللاحق تم توسيع المفهوم ليصل إلى الإنساني وكذلك ليلتفت إلى نصوص أخرى غير شهيرة، وسرعان ما صار يحمل في الطور الأخير ـ انسجامًا مع التغير في مفهومه ـ دلالات متعددة اتسعت لأنواع مختلفة مما أنتجته الحضارات الإنسانية، ولتتنوع طرق حضوره من طور إلى آخر، وتتعدد آليات مقاربة هذا الحضور، وليتغير الموقف من وجوده ليصبح أوسع وأكثر تنوعًا...
يمكن اقتراح تقسيم تفاعل الأدب العربي الحديث مع التراث إلى ثلاثة أطوار رئيسية متكاملة غلب على كل منها عدد من السمات، إذ إن كل طور يحمل عددًا من التجاذبات وإن بدا بعض التداخل أحيانًا؛ لكن هذا لم يمنع من حدوث تحولات متتالية، إضافة إلى أنه قد ظهر كثير من التمايز الذي صنعه كل جنس أدبي لنفسه، ففي الفترة التي أنجز فيها الشعر مثلًا الكثير من التفاعل كانت القصة القصيرة لم تكرّس كجنس أدبي معترف به.
4/1 ـ الطور الأول: التراث مجيبًا عن أسئلة الواقع