مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد التاسع - السنة الثالثة -المحرم 1403 تشرين 1 - أكتوبر 1982
من العبر في تاريخنا وقفة لصَلاح الدّين الأيوبي أمَام عكّا - نذير الحسامي
أوقف صلاح الدين ممتطيًا صهوة فرسه في مساء من ليالي تموز من العام 1191 على تلة تشرف من بعد على (عكا) بعد سقوطها بيد الفرنجة الصليبيين وهو يرسل أنفاسه الحارة مع نظراته الحزينة إلى ما وراء الأسوار التي استعصت سنتين على الغزاة الذين تكاثرت عليها جحافلهم بعددهم وعددهم من البر والبحر. وأخذ صلاح الدين في سبحات حزنه يستعرض ما عومل به أهل عكا الأبطال وهم أسرى ويقارن خسة المعاملة بما عامل به الفرنجة في بيت المقدس يوم فتحه.. ثم ضرب بيده على سيفه متوعدًا الغزاة الذين نقضوا عهود صلاح الدين وغدروا بالمواثيق بالارتداد عليهم في معركة قادمة من معارك جهاده.
وقبل أن يلوي صلاحا لدين عنان فرسه ليضرب في الصحراء متوغلًا في الظلام، جعل يخاطب في صلاة المؤمن وإجلاله المدينة الباسلة الأسيرة التي يطيف بها حزن جللته كبرياء الإباء بهذه الزفرات:
سلامًا لبنت الإباء
سلامًا لأخت الفداء
لنازفة الجرح تأبى البكاء
وترفض في الذل أن تهلكا
وتكبر، في العار أن تُهتكا
جلاها الشمم
فلم تُقتحم
لها خيلاء ولا كبرياء
ولم تتعصب بغير الدماء
سلامًا لأرض الكفاح
سلامًا لأرض الجراح
سلامًا لأم الجراح
وألف سلام لكل حجر
بصدرك (عكا) تلقى الشرر
فعاد شواظًا على من غدر
من العابثين
بقدس العرين
أغاروا عليك بكل سلاح
وطاروا إليك بألف جناح!
سلامًا لذات الخمار
تذود وتحمي الذمار
سلام الحزين لحزنك عكا
لبستِ الليالي جهادًا وضنكا
وما كنت إلا لأهلك مِلكا
فكيف حزنتِ؟
أفي الأسر هنتِ؟
ألست العلية بين الديار؟
أيا قلعةً للعلا والفخار
بعشقك سيفي هزج
وفيك فؤادي اختلج
ولستِ بحبك لي مشركه
فهذا حسامك من أنهكه؟