ولهذا كلما وقع بين يديّ ديوان شعر جمعه محقق فاضل لأحد الشعراء القدماء أسرع إلى مطالعته وتأمل بيانه وأخف إلى تفهم معانيه والطواف بأبياته ومبانيه. وآخر ديوان طالعته شعر منصور النمري جمعه وحققه وخرّجه وقدّم له السيد الطيب العشاش وطبعه مجمع اللغة العربية بدمشق.
وحسب المرء أن يطالع الكتاب ليدرك ما عاناه جامعه في مختلف المظان من عنت ويقدر الفكر العلمي الذي سار على هداه حين دبّج المقدمة ورتب الأشعار ودل بالتخريج على مواطنها من الأسفار وأورد اختلاف رواياتها، كما أورد في تعليقاته المناسبات التي قيلت فيها.
كذلك ذكر نسب الشاعر وولادته وقسطًا من أخباره وعلاقته ببعض شعراء عصره وبذوي السلطان ثم بالخليفة وأشار إلى مذهبه السياسي (3) .
وفي قراءتي للديوان تمهلت عند القطعة الشعرية التي وصف فيها الشاعر سيفًا قلعيًا جاء في مطلعها:
يكفيك من قلع السماء مهند
صافي الحديدة قد أضرّ بجسمه ... طول الدياس وبطن طير جائع
أمر المواطر والرياح بحمله ... فحملنه لمضاير ومنافع
وقد خرج المحقق أبيات القطعة متفرقة من وحشيات أبي تمام ومن كتاب الحيوان للجاحظ ومن كتاب الجماهر في معرفة الجواهر للبيروني ومن كتاب الأشباه للخالديين. وبقية أبيات القطعة التي أغفلناهاهنا كلها جميلة وممتعة ولكنها ليست موضوع بحثنا. ... ـن جميع الأنام موسى الأمين
أورد الجاحظ وهو ما هو في سعة العلم وافتنان المعرفة في الجزء الخامس ص 88 من كتاب الحيوان (4) البيت الأول دون أن يسمي قائله وذلك في سياق كلامه على الصواعق فقال:"وزعم كثير من الناس أن بعض السيوف من نيران الصواعق وذلك شائع على أفواه الأعراب والشعراء. قال أبو الهول الحميري (وهو معاصر لمنصور النمري في مديحه للخليفة العباسي موسى الهادي(5) ".
حاز صمصامة الزبيدي من بيـ
سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أطبقت عليه الجفون
أوقدت فوقه الصواعق نارًا ... ثم ساطت به الزعاف المنون