ويذكر البيروني ما ورد في بعض الكتب من"أن الصواعق إذا حدثت ارتفع ما تخلص منها. وما احترق من الجو من الأجزاء القطومة وقع إلى الأرض". وينتبه إلى أنها نوع من النار (هي في اصطلاحنا الحديث كهرباء منفرغة من السحاب إلى الأرض) فيقول: وقد قيل في الصاعقة إنها ألطف من الهواء ومن الذي عندنا من ضرام النار بدليل غوصها فيما تخلخل من غير إضرار بها وإذابتها ما استحصف مما يقبل الذوب"."
مؤلف الجماهير عالم متمرس بالتجارب والأمور المحسوسة المشاهدة. وكأنه يصعب عليه تصور سقوط الحديد من السماء فيرى أن الحديد الساقط على الأرض إنما تحمله الرياح الشديدة التي تكون في الصواعق من مكان على ظهر الأرض أو بطنها إلى مكان آخر فيقول:"فليس إلا الريح مع الرعود والبروق والصواعق وهي سببها تحمل الفلزات من مواضع أخر إما من ظهر الأرض وإما مرمية بالمردغات (14) من بطنها. يشهد له الحديد الواقع منذ سنين بالجوزجان إذ كان أنجزًا بحريًا على ما شاهد أحد المحصلين فيه من مشابهة بعد تغير شكله بما غشيه من الإحماء في قوة الرمي. ولم يكن جوهره بجيد إذ ليس يختار الأناجر من أجود الحديد فإن الغرض فيه الثقل فقط. وكذلك الذي أمطرت قرية طاعون من قرى بوشنج في يوم سماؤه مصحية من الفلزات المشابهة للصُّفر الرديء مجدرة كخبث الحديد حامية كان الماء ينش منها إذا وقعت فيه وهي من منٍ إلى مناوين" (15) .
نعلق أول الأمر بلزوم التفريق بين صلة السيوف بالصواعق وصلة بعض السيوف بالحديد النازل من السماء.
إن السيوف والأسنة المحددة تلمع عند جلائها فهي تشبه البرق في لمعانه خلال الصواعق. لذلك شبهت بها. وكذلك لما كانت الصواعق ذات روعة ورهبة وقد تدمر ما تصيبه قوّت رهبتها وروعتها وشائجها بالأسنة والسيوف. فلا غرو إذا غَبَر الكتاب والشعراء القدماء ينوهون بتلك الوشائج إيحاءً بالوجل.