فهرس الكتاب
ولعل أهداف دراستنا هذه تزداد تأكدًا حين نتأمل ما دونه الفارابي في كتاب (إحصاء العلوم) عن العلم المدني الذي خصص عددًا من الصفحات لتلخيص موضوعه ومنهجه وأقسامه فهذا العلم يعرفه كما يلي: (إنه يبحث عن أصناف الأفعال والسنن الإرادية وعن الملكات والأخلاق والسجايا والشيم التي عنها تكون الأفعال والسنن، وعن الغايات التي من أجلها تفعل وكيف ينبغي أن تكون موجودة في الإنسان وكيف الوجه في ترتيبها فيه على النحو الذي ينبغي أن يكون.. ص 64 إحصاء العلوم) فهو فعلًا كما ذكرنا يعتبر العلم المدني علمًا واقعيًا معياريًا في آن واحد.. ويرى أن نجاح السياسي يعتمد على العلم بالقوانين التي تسير الأمور بموجبها وعلى الحنكة والمهارة المكتسبتين من التجربة والممارسة والمشاهدة. ولهذا الرأي انعكاسه على المنهج، إذ يدخل التفكير العقلي الفلسفي فيه إلى جانب متابعة الواقع وتقدير اختلاف الحوادث باختلاف الشروط والعوامل المتباينة (والفلسفة المدنية تعطي فيما تفحص عنه.. القوانين الكلية. ثم تتركها غير مقدرة لأن التقدير بالفعل لقوة أخرى.. ومع ذلك فإن الأحوال والعوارض التي يحسبها يكون التقدير غير محدود ولا يُحاط بها ص 66 إحصاء العلوم) .
فأما القوة الأخرى التي يجب أن تضاف إلى أسلوب الفكر الفلسفي فهي القدرة على التجربة وتتبع الواقع والصلة به (كذلك المهنة الملكية يمكنها أن تقدر الأفعال بحسب حال حال وعارض عارض ومدينة مدينة في وقت وقت بهذه القوة وبهذه التجربة ص 66. إحصاء العلوم) . وأرجو ألا يستخدم القول بأن أرسطو قد سبقه إلى هذا الرأي كحاجز يحول دون الاستفادة من فكر فيلسوفنا السياسي والانطلاق من خلاله نحو آفاق أرحب وأكثر تلاؤمًا مع الواقع المتجدد، وأي مفكر لم يستفد من سابقيه وهل كان أرسطو ذاته خلقًا من العدم؟