فهرس الكتاب

الصفحة 2668 من 23694

وفيما يتصل ببشر بن أبي خازم فإن القبيلة عنده كانت ذلك المورد الذي عنه يصدر، وإليه يرجع، في جملة من قصائده تجاوزت عشرين قصيدة (1) تناول فيها شؤون قومه أو تطرق إلى الحديث عنهم من قريب أو بعيد.

ومن خلال هذه القصائد بدت القبيلة وكأنها تعيش في قلب الشاعر نبضًا حيًّا، وتحيا في ذاته قضية قارة يمتزج فيها الماضي بالحاضر والحاضر بالماضي. وكانت هدفًا يجب أن يحفظ ويصان. وكانت جعبة ينثر فيها بشر مفاخره وينشر أفراحه. وكان الشعر فيها أخيرًا معرضًا للعلاقات التي قامت، أو انقطعت بين القبيلة وجيرانها.

وقد التصق بشر بقومه التصاقًا شديدًا. وامتزجت روحه بروحهم حتى بات يتعذر علينا أن نتبين فروقًا حادة، أو حدودًا فارقة، بين الشاعر وأسلافه، وهاهو ذا يقول:

ولما أن رأيت الناس صاروا

مضى سلاَّفنا حتى حللنا ... بأرض قد تحامتها نزارُ (2)

وإذا نظرنا إلى الشعر على أنه تشكل لغوي فإننا نلحظ أن الشاعر، في هذين البيتين، يجعل قبيلته جواب شرط لرؤيته:"لما رأيت.. مضى سلافنا". ... ولما ألق كعبًا أو كِلابا

فلقد أمحى الزمن في القول الشعري، وامتد ماضي القبيلة في روح الشاعر مشكلًا عنصرًا بارزًا في وجوده، ففي ما مضى من الزمان تنابذ الناس، وذرَّ قرن الشر، وأصبح الحبل، بل الحبال، قد انصرمت، وصار يحسب للقوة حسابها، فاقتحم بنو أسد الغمرات وذهبوا بالمجد والفخار، وهزموا الأعداء، وحلوا في أرض كانت نزار تتهيب الإقامة فيها. واللافت للانتباه أن الشرط بدأ بحديث المفرد - (رأيت) ، وجاء الجواب بصيغة الجماعة - (سلافنا) ، فالشاعر هو الذي رأى والجماعة هي التي استجابت لهذه الرؤية، فكفت شر المعتدين بشجاعة واقتدار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت