فهرس الكتاب
واقتدار القبيلة كان عزاء الشاعر عندما يشعر بالضعف ورجاءه حينما يحس باليأس. فبشر في قصيدته التي يرثي فيها نفسه يكشف لنا كم كان إيمانه بقبيلته عميقًا. فقد جعله هذا الإيمان يشعر أن قبيلته هي امتداده الطبيعي الذي يعزيه من جهة. ولهذا يقول في آخر قصيدة نظمها في حياته:
فعزَّ عليَّ أن عجِل المنايا
ولمَّا ألق خيلًا من نميرٍ ... تضبُّ لثاتُها ترجو النَّهابا
ولمَّا تلتبس خيلُّ بخيلٍ ... فيطَّعنوا ويضطربوا اضطرابا
فيا للناس ان قناة قومي ... أب بثقافها إلا انقلابا
هم جدعوا الأنوف فأوعبوها ... وهم تركوا بني سعدٍ يبابا (3)
إن ما آلم بشرًا هو أن يداهمه الموت، ولما يقضِ وطره من الأعداء، فهو لا يريد أن يفارق الحياة قبل أن يثأر من كعب وكلاب، وقبل أن ينقع غلته من بني نمير الطامعين في الغنائم، وكل هؤلاء أحياء من بني عامر أعداء أسد الألداء. ... نِهاء وروض بالصحارى منوَّرُ
وتحت ضغط اليأس القاتل والجرح المميت يستذكر الشاعر قومه فيرى فيهم العزاء والسلوان لأنهم شمس العداوة تأبى قناتهم إلا أن تنقلب بثقافها، وقد كانت لهم الغلبة فيما فرط من الزمان، فهم إذا غمزوا انقلبوا على أعدائهم يجدعون أنوفهم، ويمرغونها بالتراب كما فعلوا ببني سعد من تميم. وهكذا يتقابل الحاضر القاتم مع الماضي الزاهي من جهة، ومع المستقبل المأمول من جهة أخرى.
إن الفخر في البيتين الأخيرين من الأبيات السابقة، وقد أتى بعد تسجيل أمنية رجل يحتضر، يقضي إلى حقيقة نفسية لا تخطئها العين البصيرة، وهي اعتقاد الشاعر أن قبيلته هي العزاء، فكأني به يقول: إذا انقطعت حياتي فإن قومي باقون، وإذا كان نبضي قد توقف، وفي قلبي ما فيه من سخائم، فإن قبيلتي هي التي ستستلها، وتشفي نفسي إن كان بعد الموت شفاء!
ولقد سبق لبشر أن رثى أسديًا آخر قبل أن يرثي نفسه، فقد كان ضباء أو (ابن ضباء) جارًا لعتبة بن مالك بن جعفر بن كلاب فقتل في جواره، فقال بشر في هذه الحادثة: