فهرس الكتاب

الصفحة 2689 من 23694

وإذا كان عالمنا الحديث هذا بتقدمه في جميع المجالات الزراعية، والعلمية، والفلسفية، والعلوم التكنولوجية وغيرها يذكر بخير، فإنما الخير هذا يجب أن يذكر لأولئك الذين قدموا لهم مشعلهم هذا ليهدوا العالم إلى سواء السبيل.

القبس الأخير:

كان الحاجب محمد بن أبي عامر آخر قيس من تلك الشعلة التي كانت تسطع بضيائها فوق أرض الأندلس. فقدم لها أسباب الاستمرار والدوام بقوة وعزيمة مؤمنة واثقة قوية طوال عشرين سنة، واتبع في هذا السبيل جميع الطرق والأساليب والسبل، لا تلين له قناة ولا يثبط من عزيمته عائق. فكان القاضي العادل. والقائد الشجاع الذي لا يقهر، والمجاهد المؤمن، والباني العظيم، والرجل الصلب الجبار الذي لا تلين له قناة ولا يكسر رمحه شجاع، ولا يلوي سيفه محارب.

كان يعتقد أن الغاية يجب أن يتبع في سبيلها كل الطرق الشرعية وغير الشرعية، الشريفة والدنيئة، فالواسطة لتحقيق غايته لا يهمه أن تكون مصادقة عدو قديم أو قتل صديق حميم، لا يهمه أن يسير إلى غايته تلك في طريق ممهد مرصوف خال من كل عائق أو مليء بالعوائق، فهو يستطيع بما أوتي من موهبة فذة وفكر ثاقب، وبصيرة نفاذة، أن يذلل كل صعب، وأن يمتطي كل مركب، لا يمل الانتظار إذا طال، وإذا برق له بارق من أمل اندفع إلى تحقيقه بقوة وصلابة وعزيمة قادرة لا تلين.

هكذا كان المنصور محمد بن أبي عامر الذي استطاع أن يصل إلى أعلى مرتبة وأسمى مكان في الأندلس. لقد سعى لتحقيق أحلام كانت تراوده منذ الصغر بتولي حكم الأندلس، ولطالما كان يبث أفكاره تلك بين أقرانه وأترابه فكان منهم من يهزأ منه ومنهم من ينظر إليه في إشفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت