فهرس الكتاب
لم تكن أسرة محمد بن أبي عامر من أغنى الأسر العربية بالأندلس، فقد كانت هناك أسر كثيرة تفوق أسرته غنىً وجاهًا وقوة وبروزًا على صعيد الشهرة والسياسة. ولم يكن محمد بن أبي عامر هو الوحيد بين تلك الآلاف من أبناء الأسر العربية في الأندلس يتقن القرآن والفقه واللغة في جامع قرطبة، ولكن محمد بن أبي عامر كان الوحيد الذي أُوتي أفكار الرجال، وصلابة الأبطال، وعزيمة الجبابرة.
كان وحده طرازًا خاصًا فريدًا في ذلك المجتمع المتنوع المتشابك في الأندلس، كان وحده يجمع بين المتناقضات العديدة بتناسق فريد قلّ مثيله بين قادة الأمم وحكماء الشعوب، كان الناعم الخشن، الليِّن الصلب، الضاحك العابس، الجاد الهازل. كان يجمع في شخصه متناقضات"دون كيشوتية"عجيبة. كما استطاع أن يجعل من ميكافيللي - صاحب نظرية"الغاية تسوغ الواسطة"المشهورة - إمامه في ممارساته.
لقد استطاع الحاجب المنصور، بشخصيته الفذّة تلك أن يتبوأ أعلى منصب في الأندلس، ويتربع على قمة المجد هناك ما يزيد على العشرين من السنين.
إنني أحاول في هذه العجالة أن أُلقي خيطًا من الضوء على تاريخ رجل عربي من رجال الأندلس الأفذاذ استطاع أن يجعل من الأندلس خلال فترة حكمه لها أعظم دولة في ذلك الجزء من العالم، فيضاهي بها دولة العباسيين في بغداد والفاطميين في القاهرة! بل امتدّ به طموحه إلى التفكير بغزو دول المشرق العربي! ولكن حكم الحاجب المنصور - رغم قوته، وازدهاره - كان يحمل - نتيجة لسياسته الفريدة بذور الدمار للحكم العربي في الأندلس واستطاعت هذه البذور أن تنبت، وتنمو حتى أتت نتائجها في عصر ملوك الطوائف، وكان القضاء على الحكم العربي في الأندلس.
تمهيد: