فهرس الكتاب

الصفحة 2691 من 23694

كانت الأندلس في عهد الحكم المستنصر الخليفة الأموي قبلة العالم الغربي في ذلك الوقت، وكانت المحج الذي يستهوي عقول طلاب العلم والمعرفة، وقلوب طالبي المتعة والمجد والشهرة، فقد بلغت قمة الحضارة، وسطع بريق ضيائها في جميع الأرجاء، وكانت تعج بمختلف الصور والأشكال، كانت الغيد الحسان تمرح في قصور الأندلس المترفة بكل وسائل الراحة والانشراح. وكانت قصور الخلفاء تجمع بين ترف العيش ونعومة الحياة.

فالرزق هين ميسور، والمجد شامخ عال. والحكَم المستنصر كان ملجأ ملوك إسبانيًا النصارى المتناحرين، وقاضيًا يلجَؤون إليه لحل خلافاتهم، منهم من يطلب عونه على أخ اغتصب الملك منه، ومنهم من يرجو أن يشفع له عند ملك ليعيده إلى مركز فقده.

وكان (1) الحكم المستنصر دودة كتب - ودود الكتب من الناس - وإن أفادوا جدًا فيما اتجهوا إليه، قلَّما يكونون حكماء عظماء، فإن منصب الملك لا يهيِّئ لصاحبه أن يبلغ الذروة في العلم.

لقد انغمس الحكم في القراءة فملكت عليه لبه، وامتلأت خزائنه بالكتب حتى بلغت نحو أربع مائة ألف مجلد قرأها جميعًا وعلّق عليها في حواشيها.

في هذه الفترة المجيدة من تاريخ الأندلس العربي ولد محمد بن أبي عامر وفي هذا الجو المهيِّئ لكل أسباب الارتقاء والتقدم لكل ذي طموح نشأ ابن أبي عامر.

مولده:

ولد (2) محمد بن أبي عامر سنة 328هـ - 940م بالجزيرة الخضراء، وهو من أسرة عربية يمنية قديمة الأصل تنسب إلى قبيلة معافر اليمنية.

دخل جده إلى الأندلس مع طارق بن زياد، وأظهر شجاعة في بعض العمليات العسكرية، فكوفئ بإقطاعات جليلة من بلدة طرش (3) التي تقع على وادي آره شمال شرقي الجزيرة الخضراء.

وكانت والدته أيضًا من أسرة عربية تعرف ببني البرطال.

كان والده من رجال العلم والدين، أدى فريضة الحج ومات في طريق عودته بمدينة طرابلس (4) في ليبيا.

نشأته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت