فهرس الكتاب
بدأ حياته طالبًا مغمورًا في جامع قرطبة، حيث كان أبوه فيه فقيهًا وقد نشأ المنصور نشأة حسنة. كان مثالًا رائعًا لما يمكن أن يعمله الذكاء وتحققه الشجاعة والأثرة في تلك المملكة الإسلامية التي كانت تتلألأ في تلك العصور المظلمة كما تتلألأ الجوهرة في جيد غادة حسناء.
وكان الطريق ممهدًا للعبقريين كيفما كانت بدايتهم، فاندفع المنصور ليحقق تلك الدوافع الخفيّة التي كانت تطرق خياله فتحرمه لذة الرقاد.
حدث أحد أترابه ويدعى موسى بن عزرون قال:"اجتمعنا يومًا في متنزَّه لنا بجهة الناعورة بقرطبة، ومعنا ابن أبي عامر، وهو في حداثته، وابن عمه عمر بن عقلاجة، والكاتب ابن المارعزي، ورجل يعرف بابن الحسن من جهة مالقة."
فقال المنصور:"لا بد لي أن أملك الأندلس، وأقود العسكر، وينفذ حكمي فيها"! ونحن نضحك منه، ونهزأ به وقال:"تمنوا عليَّ. فقال ابن عمه:"نتمنى أن نتولى المدينة"، وقال ابن المارعزي:"نتمنى أن نتولى السوق"، وقال ابن الحسن:"نتمنى أن توليني القضاء بجهتي، فإني أحب التين، حتى أتشفى من أكل التين". قال موسى بن عزرون: ثم التفت المنصور إليّ وقال:"تمنّ أنت"، فأسمعته كلامًا قبيحًا: فلم يك إلا أن صار الملك إليه، فولى ابن عمه المدينة وبلَّغه أمله، وولى ابن المارعزي السوق، وكتب لابن الحسن بالقضاء عساه يشبع التين، وأرغمني أنا مالًا عظيمًا أجحفني وأفقرني لقبيح ما كنت جئته به" (5) .
أما القصة الثانية التي تدل أيضًا على طموح هذا الشاب الفذّ في مجتمع قرطبة فتقول:
"كان المنصور بائتًا ليلة مع أحد إخوانه في غرفة، فرقد رفيقه، ودنيُّه، ولم يرقد هو قلقًا وسهرًا فقال له صاحبه:"
"يا هذا قد أضررتني هذه الليلة؟ فقال المنصور: إنني أتفكر في من يصلح أن يكون قاضيًا للأندلس، ولما استغرب صاحبه ذلك، قال له:"يا هذا! أأنت أمير المؤمنين؟ فقال له:"هو كذلك".