فهرس الكتاب
ثم أخذا يستعرضان القضاء حتى جاء ذكر أبي بكر بن يبقى بن زرب، فلما اطمأن المنصور نام وعندما تولى المنصور الملك ومات قاضي قرطبة اختار المنصور ابن زرب لهذا المنصب (6) .
أتم المنصور دراسته في جامعة قرطبة، وتتبع خطوات عمومته وخؤولته، فقرأ الأدب واللغة على أبي علي القالي البغدادي، وأبي بكر بن القوطية، وقرأ الحديث على أبي بكر ابن معاوية القرشي وغيره.
واتخذ المنصور أول أمره (7) دكانًا صغيرًا بجانب قصر الخلافة يكتب فيه العرائض والالتماسات. وسرعان ما استهوى الناس بذكائه ومهارته.
كان الحاجب المنصور مثالًا للذكاء الخارق. استهوى الناس برفيع أدبه وتواضعه، وكريم عطائه، ورقة إحساسه، ومساعدته للبائسين، كما كان محبًا للعلوم مشغوفًا بالأدب، مشجعًا للعلم والعلماء، والأدباء والشعراء (8) وقد زخرت البلاد في عهده بطائفة من مشهوري العلماء، والأدباء، والشعراء. فانطلق اسمه ينساح في كل صوب فينتشر ويزداد انتشارًا فيمتاح مسامع السيدة صبح الزوجة البشكنسية المدللة للخليفة الأموي، الذي تنطلق أوامره من قصره المنيف فتخضع له هامات القوم، وتنحني له رقاب العباد بالسمع والطاعة، والقبول والإيجاب.
كانت السيدة صبح في حاجة إلى رجل يتولى شؤون ولدها الصغير عبد الرحمن، وشؤون أملاكها الكثيرة. فطلبت هذه المدللة من زوجها الخليفة الذي أصدر أوامره لحاجبه جعفر بن عثمان الصحفي. وهنا تسنح الفرصة للقاضي محمد بن إسحق ليقدم هذا الشاب الطموح للحاجب جعفر، وليقدمه جعفر بدوره للسيدة صبح فتتهلل لذلك ويصبح هذا الكاتب للعرائض والالتماسات وصيًا على ابن الخليفة وأملاك أمه الكثيرة الطائلة.
لكن القدر لم يمهل هذا الوليد الصغير إلا القليل من الوقت ليغيبه فلم يتخلخل مركز ابن أبي عامر، بل تولى الوصاية على الولد الذي ولد توًا للسيدة صبح، والذي دعي هشامًا المؤيد (9) .