فهرس الكتاب
وابن سينا كان بطلًا وحكيمًا ولذلك استحق الخلود مرتين. هاتان السمتان هما الغاليتان بالنسبة لي بصفتي باحثًا في مجال العلوم الطبيعية.
إن ولادة مثل هذا العملاق في آسيا الوسطى قد أحدثت ثورة حقيقية في فكر القرون الوسطى، ولم يكن هذا مجرد مصادفة فقد كان هناك أسس موضوعية لهذا، وخاصة نهوض العلم والثقافة في آسيا الوسطى في القرنين التاسع والعاشر، وتتسم هذه الفترة بالتطور السريع للقوى المنتجة في جميع مجالات الاقتصاد، ونحو بناء المدن والتجارة وتكوين المراكز العلمية الهامة في المدن الأساسية في تلك الآونة مثل سمرقند، بخارى، غورغانج قيات، وغيرها. في هذه الآونة احتلّ العلم في آسيا الوسطى مركزًا هامًا ليس بالنسبة للمشرق وحسب بل بالنسبة للعالم أجمع.
وعلى سبيل المثال يكفي القول إن آسيا الوسطى قدمت للعلم العالمي علماء مشهورين أمثال الخوارزمي الذي وضع بأعماله أُسسًا علمية للجبر والترقيم العشري. وكذلك العالم الكوني الفرغاني، والموسوعي الشهير الفارابي، والبيروني، وأخيرًا أبو علي ابن سينا.
إن الحكمة والبطولة ميزتان ضروريتان لكل من يقتحم مجال اكتشاف قوانين الطبيعة ويخترق عالم المجهول بأفكاره.
وطابع الحكمة والبطولة يميز كل عمل، وكل صفحة من كتب الفكر الإنساني العظيم.
وعندما كان ابن سينا في ربيع شبابه، صبيًا تقريبًا قام مع الطبيب الكهل الذي يدعى"قمري"ليلًا وبسرية تامة بشق جسم إنسان توفي على أثر مرض (التهاب الزائدة) كان مجهولًا في تلك الأيام. والقانون يحرم هذا كليًا، ويُعاقب فاعله بالإعدام، ولكن من سمات الباحث العلمي أن يغامر ويقتحم الصعوبات.