فهرس الكتاب
اضطلع ابن سبعين، من جملة ما اطلع عليه، بالفقه واجتهد فيه، فهو الذي كان"لا ينام كل ليلة حتى يكرر عليه ثلاثون سطرًا من كلام غيره" (1) . وهو المشهود له في"كثرة نظره وظهوره فيها على العلوم كلها، ثم انفرادها وغرابتها وخصوصيتها بالتحقيق الشاذ عن أفهام الخلق" (2) وعرف نقاط الاختلاف والاتفاق في مذاهب الفقهاء الكثيرة، ولا سيَّما مع ازدياد فرق الباطنية والخوارج والإباضية والصفرية مشرقًا ومغربًا، واستفاد من ثغراتها وإعضالاتها، فنفذ لنقدها والإدلاء بآرائه ضدها.
كما اشتملت ثقافته على ذخيرة منهجية ونظر في مسائل دينية ومعالجات، جرى الاصطلاح على تسميتها"علم الكلام"حيث يجعل من مسألة مختلف فيها من مسائل الاعتقاد والعقيدة موضوع برهنة جدلية باجتلاب البراهين النظرية لسند القضية المعروضة (3) . وغاية هذا البحث القيام بفرض مجمع عليه، من الواجهة الدينية الإسلامية الصرف، ألا وهو معرفة الله بصفاته"الواجب ثبوتها له، مع تنزيهه عمّا يستحيل اتصافه بها"والتصديق - إلى جانب ذلك - برسله على وجه يقين الدليل. أما الأسلوب الذي يتبع لتحقيق تلك الغاية، فهو قسمة"المعلوم"إلى: ممكن لذاته، وواجب لذاته، ومستحيل لذاته. والوسيلة المنهجية - بعد هذه القسمة - هي إثبات القدم والبقاء، ونفي التركيب والقسمة، أو الحديث في ما يسمى"أحكام الواجب" (4) .
وقد كانت لابن سبعين ردود على ما ساد أوساط المسلمين في علم الكلام، من الأشعرية خاصة، وبقية المتكلمين الآخرين كالمعتزلة والجهمية والمرجئة، وعمد إلى معارضة علم الكلام المشتهر لديهم بكلام بديل يحمل في روحه المذهب الخاص به، ويجري في أوصاله نسغ النظر الذي يميز جميع ما كتب عبد الحق ويفرده. وعدَّ الإيمان"إيمان الماهية"والنطق الصالح"نطق الوجود"، والدعوة التامة دعوة الظاهرة على الظاهر بالحقيقة الباطنة عن الوهم بالمجان" (5) ."