فهرس الكتاب
باعتماد هذه القناعات كان لا بد للنظر العقلي السبعيني من أن يتخذ صيغة أخرى مغايرة لتلك التي تشنجت فيها الاستنباطات الكلامية السالفة، وغدا ابن سبعين يطلب من المشتغل الطامح إلى الحقيقة أن يتبع خطوات منهجية تقوده إلى جادة الصواب، وهي خطوات مسلسلة بدقة.
يقول:"اطلب الأمور الذاتية بالنظير، وحرِّر القول في الكل بالعين، وعوِّل على الوجه الغير بالشعور الخلاف، بالعلم الأمثل، بالحال البعيد عن ذلك، بالإلزام القريب منه، بالدليل الجميع بالمجموع، بل الفرد بالفرد، بل البد المفروض الذي لا ينسب له ومنه، أو هو أو كذلك بتشكيك، أو قريب بنوع من أنواع الصفح، أو هذه، أو هذا، أو هو، أو ما في الصدور، أو الذي إذا نظر في المكتوب أجابك وكان جوابك" (6) .
وحاصل ذلك عند ابن سبعين هو: كون الوجود ماهية أوهم الوهم فيها الاشتراك، وبسطها حيث قبضها، وغيَّبها حيث أظهرها. وهذا ما يجعل طريقته الجدلية تدخل جديدًا في علم الكلام، أعني أن مبدأ"وحدة الأضداد"فيها يبدو أصلًًا غالبًا على مبدأ"عدم التناقض"الذي اعتمده الكلاميون أساسًا في مناقشاتهم وإثبات أصولهم.
وتزداد الشقة بالاختلاف بُعدًا بين الكلام المعروف والبديل الذي أراد مفكرنا إرساء دعائمه وقواعده، من خلال اعتباره"حقيقة الماهية صورة علمية، ظهرت الذات بحسبها، فظُن أنها ذات أخرى، وإنما هي مظهر للذات ومرتبَة فقط، والذات بها وبأمثالها ذات فقط لا زائد. وهي بدون الذات لا شيء أصلًا". فأين الاشتراك؟