يذكر رواة الأدب أحوال المجنون وهيامه في البراري ولكنهم يغفلون نفسية ليلى التي بقيت تحب قيسًا بعد زواجها. كيف كانت حياتها مع زوجها وهل كانت عند الوصال تفكر في هذا الزوج أو تغمض عينيها لتفكر في ابن عمها. كل ما نقرؤه أنها كانت دائمة الذكر له على الرغم من غناها. ذكروا أن رجلًا خرج إلى ناحية الشام وما يلي تيماء والسراة وأرض نجد في طلب بغية له فإذا هو بخيمة قد رفعت له وقد أصابه المطر فعدل إليها وتنحنح فإذا امرأة قد كلمته فقالت: انزل. فنزل. ويحدثنا الرجل فيقول: وراحت إبلهم وغنمهم فإذا أمر عظيم فقالت: سلوا الرجل من أين أقبل؟ قلت من ناحية تهامة ونجد. فقالت: ادخل أيُّها الرجل. فدخلت إلى ناحية من الخيمة. فأرخت بيني وبينها سترًا ثم قالت: يا عبد الله أي بلاد نجد وطئت؟ فقلت: كلها. قالت: فيمن نزلت هناك؟ قلت: ببني عامر. فتنفست الصعداء ثم قالت: فبأي بني عامر نزلت؟ فقلت: ببني الحريش. فاستعبرت ثم قالت: فهل سمعت بذكر فتى منهم يقال له قيس بن الملوّح ويلقب بالمجنون؟ قلت: بلى والله، وعلى أبيه نزلت وأتيته فنظرت إليه يهيم في تلك الفيافي ويكون مع الوحش لا يعقل ولا يفهم إلا أن تذكر له امرأة يقال لها: ليلى فيبكي وينشد أشعارًا قالها فيها. قال:
فرفعت الستر بيني وبينها فإذا فلقة قمر لم تر عيني مثلها. فبكت حتى ظننت والله أن قلبها قد انصدع فقلت: أيتها المرأة اتقي الله فما قلت بأسًا. فمكثت طويلًا على تلك الحال من البكاء والنحيب ثم قالت:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة
بنفسي من لا يستقل برحله ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع
ثم بكت حتى سقطت مغشيًا عليها فقلت: من أنت يا أمة الله وما قصتك قالت: أنا ليلى صاحبته المشؤومة والله عليه غير المؤنسة له، فما رأيت مثل حزنها ووجدها عليه قط. ... ولا أنشد الأشعار إلا تداويا
لقد ملك زوج ليلى جسمها ولكنه لم يملك روحها.