أما قيس فما زال يتخبط في الفيافي والأودية والنجود إذا رأى ظبية مصيدة فداها بغنمة أو قلوص لشبهها بليلى
إنه يعرف قيمة السياحة وقيمة الشعر في تخفيف تباريح وجده قبل أن ينوه بوظيفة الفن فلاسفة الفن
فما أشرف الإيقاع إلا صبابة
ومع ذلك فقد بقي في نفسه خيط من الأمل على الرغم من اليأس القاتل: ... يظنان كل الظن ألا تلاقيا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
ولكنه يختلط عليه عقله. أول الاختلاط أنه أضاع حس الزمن والعد: ... اثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
أصلِّي فما أدري إذا ما ذكرتها
ثم يفقد حس التوجه: ... بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
أراني إذا صليت يممت نحوها
وما بي إشراك ولكن حبها ... كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
ثم يفقد حسّ المكان: ... كل نجد للعامرية دار
روى صاحب"الكشكول"أن المجنوزن مر على منازل ليلى بنجد فأخذ يقبِّل الأحجار ويضع جبهته على الآثار فلاموه على ذلك فحلف أنه لا يقبل في ذلك إلا وجههًا ولا ينظر إلا جمالها. ثم رؤي بعد ذلك في غير نجد وهو يقبل الآثار ويلثم الأحجار فليم على ذلك وقيل له: إنها ليست من منازلها فأنشد:
لا تقل دارها بشرقي نجد
فلها منزل على كل أرض ... وعلى كل دمنة آثار
وسواء أصحت هذه الرواية عن المجنون أم لم تصح فهي تمثل حالة نفسية في شدة العشق والهيام أبرع تمثيل. ... ومن ثقل بعضي ليس تحملني أرضي
الحب الصوفي:
إن نكبة المجنون هنا تبدو ذات مغزى فلسفي أو صوفي وهو أن الحب يحمل في نفسه غايته. فالمرء يحب للحب نفسه ويتجاوز صفة المتعلق بمحبوب مسمى إلى حب الحب إلى حب الوجود والتكامل وإن خامر هذا الحب الهلاك والردى.