وعندنا أن الصوفية انتبهوا لقصة المجنون هذه وأفادوا منها في حبهم الصوفي الذي يشمل الكائنات ولكنه يتجاوزها. لنشرح بعض الشيء ما جنحوا إليه ولنفرض مثلًا أن مستهامًا بالقطع الموسيقية أحب سنفونية مشهورة وسعى فحصل بسهولة على تسجيلها ثم أحب ثانية وثالثة وهلم جرا وحصل على تسجيلاتها جميعًا فهو في نهاية الأمر قد حصل على قطع موسيقية جميلة مسجلة ولم يحصل على سر الإبداع وجوهر الإلهام في التأليف الموسيقي.
وكذلك شأن المحب فهو يسعى نحو حبيب أو أحباء ولكنه لا يملك سر الجمال ولا إكسير الحب إنهما يبقيان متجاوزين للظواهر إنهما في القلب الإنساني.
وهكذا يعي الصوفي أو الفيلسوف في قصة المجنون غير ما يعيه الأديب محقق الأخبار وممحصها أو الزمِّيت الذي يرى في القصة الأخيرة إشارة إلى وحدة الوجود وليس الأمر كذلك وإنما المراد في هذا الحديث وحدة الشهود.
وأيًا كانت الفحوى لحب قيس فإنا لا نستغرب كيف ارتكز فريق من الصوفية على أخبار المجنون ليصوغوا منها آثارًا فنية رائعة وخالدة مثل نظامي كنجوى (ليلى ومجنون) وأمير خسرو دهلوي (مجنون وليلى) وعبد الرحمن جامي (ليلى والمجنون مترجم إلى العربية) . وعبدي بيك شيرازي (مجنون وليلى) فالعشق منقبة من مناقب الإنسان عندهم وخاصة من خصائصه. ولكنه يستلزم العفة والطهر ويقرب من الله حين يعتمد على القلب بعد اعتماده على العقل، إذ العقل يدرك الحقائق في مدى واسع هو مدى الظواهر والعلوم ولكنه يفسح بعد ذلك في المجالات والآفاق لمواهب القلب وطاقات البصيرة.
وعدا الصوفية فقد عالج شوقي أخبار المجنون في مسرحيته المشهورة كما وصلت تلك الأخبار حتى إلى الشاعر الفرنسي الحديث أراغون فسمى أحد دواوينه في زوجته"مجنون السا"تشبيهًا لنفسه بقيس بن الملوّح، وشتان ما بين المجنونين.