فهرس الكتاب

الصفحة 3877 من 23694

وهكذا انقلبت لعنة الحب لدى المجنون إلى نعمة رغبة التشبه به في الحب ولو مجازًا وإلى نعمة العرفان بالله عند الصوفية الذين هم أشد اندفاعًا وأكثر اصطلاحًا في الحب.

لقد بدأنا كتابة هذا الحديث ونحن راغبون في عرض آراء الصوفية عن الحب وفي الموازنة بين مأساة المجنون ومأساة الحلاج التي انتهت إلى الصلب والقتل ضمن مؤامرة ظالمة ولكن فات وقت الموازنة. ومع ذلك فقد يفيد في الخاتمة أن أشير إلى بعض أقوال أبي المغيث (13) الحسين بن منصور.

لو ألقي مما في قلبي ذرة على جبال الأرض لذابت، وإني لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار، ولو دخلت الجنة لانهدم بنيانها:

عجبت لكلي كيف يحمله بعضي

لئن كان في بسط من الأرض مضجع ... فقلبي على بسط من الأرض في قبض

وهو يمر في سوق بغداد ويصيح: ... تكاشفني حتى كأنك في نفسي

يا أهل الإسلام أغيثوني فليس يتركني ونفسي فآنس بها، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها وهذا دلال لا أطيقه ثم ينشد:

حويت بكلي كل كلك يا قدسي

أقلِّب قلبي في سواك فلا أرى ... سوى وحشتي منه وأنت به أنسي

فها أنا في حبس الحياة ممنَّع ... عن الإنس فاقبضني إليك من الحبس

ولما قدم إلى الصلب فهل يجزع؟ هل يشتم جلاديه؟ هيهات! إنه يباركهم فيقول في جملة دعائه: ... وكذا دماء العاشقين تباح

هؤلاء عبادك اجتمعوا لقتلي تعصبًا لدينك وتقربًا إليك فاغفر لهم. فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا. ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت. فلك الحمد فيما تفعل، ولك المجد فيما تريد. ثم سكت وناجى سرًا.

ويقول الراوي إبراهيم بن فاتك: فتقدم أبو الحارث السياف فلطمه لطمة هشم أنفه وسال الدم على شيبه. فصاح الشبلي ومزق ثوبه، وغشي على أبي الحسين الواسطي وعلى جماعة من الفقراء المشهورين وكانت الفتنة تهيج ففعل الحرس ما فعلوا.

أو ليس السهروردي (14) مقتول حلب يصور أحوال الصوفية في قصيدته المشهورة التي منها:

بالسر إن باحوا تباح دماؤهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت