وأشرت كذلك - في المقال السابق - إلى أن ما يمتاز به الإمام الطبري فيما يتعلق باعتماده أرضية النص القرآني أولًا - وهو المعنى الظاهر المتبادر منه - ليكون منطلقًا أساسيًا للاجتهاد بالرأي، استبطانًا لمعناه، واستكناهأ لأسرار تشريعه، واستخلاصًا لما يستهدفه من حكمة غائية - وهي عنصر عقلي خالص تتصل بمنطق التشريع، وإن لم يفصح عنها منطوقه - كما أسلفنا - توسيعًا لمفاد النص القرآني على ضوء من منطقه، بما يستغرق كافة طاقاته الدلالية - اللغوية والعقلية على سواء - أقول: يمتاز الإمام الطبري باعتماده أرضية النص القرآني، منطلقًا أساسيًا لاجتهاده برأيه فيه، ليتقي بذلك مواقع الغلط في التفسير، أو الخطأ المنهجي في الاجتهاد، ليكون استبطان دقائق معاني النص في ضوء ظاهره، لا يناقضه، وهذا أصل منهجي عتيد يجمع بين منطق اللغة، ومنطق المعاني، كما ترى، وهو ما أشار إليه الإمام الغزالي بقوله:"ولا مطمع في الوصول إلى الباطن، قبل أحكام الظاهر" (15) .