فهرس الكتاب
بدمشق-ويحرك الساكن الأول بالفتح في نون"من". الجارة إذا دخلت على"الـ"."من الله""من الكتاب"وبذلك نرى أن ظاهرة الوقف بالسكون قد استأثرت بأحكام كثيرة ولم تكن أقل شأنًا عند القرَّاء والنحاة من ظاهرة التحريك في أواخر الكلام.
والقاعدة الأساسية التي أخذ بها النحاة العرب هي أن الحركة مصدر قوة للحرف وبهذا يقول ابن جني:"الحروف الساكنة أميل إلى الحذف والزوال من الحروف المتحركة"ومنه كانت ظاهرة الإدغام التي تقتضي أن يكون الحرف الثاني متبوعًا بحركة وأن يكون الحرفان إما متماثلين (مدد - مدْدَ - مدٌ) أو متجانسين لهما نفس المخرج وتختلف صافتهما (وتد - وتد - ودد - ود) أو متقاربين في المخرج والصفات (احفظ ضانك - احفض ضانك) كان النحاة العرب يفسرون الإدغام بوجود حروف قوية تؤثر في حروف ضعيفة. ويمدون الياء مثلًا أقوى من الواو: يوم - أيوام - أيام (قلبت الواو الساكنة ياء وشددت) كويته كويًا - كيًا - لويته لويًا - ليًا.
ونحن اليوم نفسر الإدغام بأنه اقتصاد في المجهود العضلي. فإذا اجتمع صوتان أحدهما مهموس والآخر مجهور، أثر أحدهما في الآخر حتى يصبحا مجهورين معًا أو مهموسين معًا ليكون إخراجهما بأقل جهد ممكن أو كما يقول الخليل"ليكون عمل اللسان من وجه واحد".
*-قوة الحرف:
وفي مواضع متناثرة من كتابه"سر صناعة الإعراب"يتحدث ابن جني عمّا يسميه"قوة"الحرف ونصاعته. يقول مثلًا:"الخاء أقوى من العين والعين أقوى من الحاء"ونحن نقول اليوم العين حرف مجهور والحاء حرف مهموس وتتفقان في المخرج وهو الحلق. وقد نعتبر الخاء مفخمة والعين مرققة وتختلفان في المخرج.
ومفهوم"قوة"الحرف عند ابن جني يتجاوز الصوتيات إلى بحث الدلالة والمعاني.
يقول صاحبنا: في الفعلين توصل وتوسل"الصاد أقوى صوتًا من السين لما فيها من استعلاء فالتوسل دليل على الضعف كأن المتوسل أدنى مرتبة من المتوسل إليه".