فهرس الكتاب

الصفحة 3974 من 23694

ولو فرضنا جدلًا وجود تقارب بين الصوت والمعنى فإن هذا التقارب يقتضي ما نسميه"بالحدس"أو"السليقة"التي لا يملكها إلا الناطق باللغة. كانوا يقولون مثلًا: إن الحاء إذا أتت في آخر الكلمة بعد الألف الممدودة دلت على الاتساع والانتشار: ساح فاح صاح إلخ.. وإن اللفظة المبدوءة بالشين دلت على التفرق والتشتت مثل شتت وشطر وشعث وشع إلخ.. واللفظة المبدوءة بالغين دلت على الغموض: مثل غاب غطى غار غبس (غبس الليل: إذا خالط البياض ظلمته في آخره) . وهذا ما يسميه ابن جني"الكلمات المتصاقبة الحروف متصاقبة المعاني"أي متقاربة الحروف متقاربة المعاني وهذا مرده إلى القول بأن اللغات الإنسانية ترجع في أساسها إلى تقليد أصوات الطبيعة. يقول"ذهب بعضهم (أي أن الرأي ليس من عنده أو أنه لم يتثبت من الأمر) إلى أن أصل اللغة كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء) ثم يضيف"وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل"ويقول في موضع آخر من كتابه"خصائص اللغة العربية":"وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأن العربية من عند الله عز وجل فقوى في نفسي اعتماد كونهما توقيفًا من الله سبحانه وأنها وحي". ولكي يشرح السبب الذي تقوم عليه النظرية التوقيفية يقول ابن جني:"ذلك إنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك علي جانب الفكر.."."

ومع ذلك كله يقول صاحبنا في موضع آخر:"إن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة كما يفعل الصناع عندما يختارون آلات جديدة ويحددون أسماءها. وباختلاف المواضعة والمصطلحات تولدت لغات كثيرة مثل الرومية والزنجية وغيرهما. والنتيجة التي يخلص إليها صاحبنا:"واعلم فيما بعد أنني على تقادم العهد دائم التنقير والبحث عن هذا الموضوع.."."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت