فهرس الكتاب
والرأي في اللسانيات الحديثة أن اللغة مجموعة من الرموز والإشارات التي اصطلح عليها الناس. ولكن تبقى قضية"المشاكلة الصوتية"التي يعمد إليها الشعراء وتشير بجرسها الموسيقي إلى الملائمة بين الأصوات والحروف وبين العواطف والمعاني التي يعبر عنها الشاعر.
وليسمح لي القارئ في نهاية المقال أن أعقد المقارنة التالية: عندما أراد الشاعر الفرنسي Racine أن يوحي بفحيح الأفاعي استعان بحروف الصفير في بيته المشهور:
(لمن تلك الأفاعي التي يتصاعد صفيرها فوق رؤوسكم) .
لكن البحتري عمد إلى حروف الصفير للتعبير عن الترفع والإباء والعزة والمنعة:
صنت نفسي عما يدنس نفسي
-وترفعت عن جدا كل جبس
وتماسكت حين زعزعني الدهـ
-ـر التماسًا منه لتعسي ونكسي
فتكرار السين يوحي بالترفع عن عطاء الجبان الوغد اللئيم ويرافق السين حرف الزاي المتكرر (زعزعني) الذي يوحي بالترنح والسكون في هاء"الدهر"التي يختتم فيها الشطر وتبقى اللفظة معلقة في فراغ وكأن الدنيا تدور بك ثم العطف"لتعسي ونكسي"إشارة إلى الإصرار على شدة المحن والخطوب: هذا كله ينقش الفكرة في قلب القارئ نقشًا عميقًا.
اللغة هنا لم تعد سلكًا هاتفيًا مغفلًا ينقل المعاني إنما أصبحت قطعة من الرخام يعجنها الشاعر حتى تتفجر بالحياة. هذه المصاقبة كما يقول ابن جني أو هذه المشاكلة الصوتية هي من إبداع الشاعر ولا وجود لها قبل هذا الإبداع. ذلك هو سر الفن الذي يجعل الحياة تنبض في إعادة الموات.
وإن من البيان لسحرًا.
(1) -انظر كمال محمد بشر، علم اللغة العام - الأصوات. دار المعارف، مصر.
> الصفحة الرئيسية > > صفحة الدوريات > > صفحة الكتب > > جريدة الاسبوع الادبي > > اصدارات جديدة > > معلومات عن الاتحاد >
سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244