فهرس الكتاب
فاللغة ملكة، ووجه تحصيلها هي الحفظ، ثم التعبير عن خوالج النفس وفق الأنموذجات المحفوظة. يقول ابن خلدون بهذا الصدد:"إلا أن اللغات، لما كانت ملكات، كما مر، كان تعلمها ممكنًا شأن سائر الملكات. ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة، ويروم تحصيلها، أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضًا في سائر فنونهم؛ حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور، منزلة من نشأ بينهم، ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره، على حسب عبارتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم، وترتيب ألفاظهم؛ فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتهما رسوخًا وقوة (32) ."
ولكن للفرد أثره مع ذلك في الانطباع بجودة اللغة التي يعبر بها عن خوالجه. فحسب طبعه وفهمه تكون جولة لغته. يقول ابن خلدون بهذا الصدد:"ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب، ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال، والزمن يشهد بذلك (33) ."