فهرس الكتاب
ويتوسل الكتاب لتحقيق هدفه في التأثير عن طريق الإيقاع بشتى الطرق، ويلجأ إلى مختلف الأدوات، وإذا كنا نميز بين الظواهر الأسلوبية التي تساعد على الأداء بوصفها ضروبًا من الموسيقى وغير الموسيقى وبين الظواهر الإيقاعية بوصفها قواعد التشكل النغمي فإنه يحسن أن نؤكد هنا أن الأولى يشترك في تعليلها علم المعاني وعلم النغم أما الثانية فلا تعليل لبعضها سوى الموسيقى، شريطة ألا نفهم من اللفظ دلالته الشكلية - الصنعة البديعية - كما فهم القدماء وعدوا ذلك عيبًا أو نقصًا في البلاغة بل كما نفهمه نحن بدلالته الفنية التي تشمل الشكل والمضمون، المحتوى وطريقة الأداء، ونقول بعضها حتى نخرج بعضها الآخر مثل التنوع والتقابل اللذين هما سبيلان من سبل التعبير في مختلف أنواع الفنون.
وقد آثرت أن استعمل جملة من المصطلحات الموسيقية ولم أجد حرجًا في ذلك فالمشكلة لا تكمن في المصطلح بقدر ما تكمن في قدرته على التعليل والتفسير، ورأيتني أنظر وألوب حتى عثرت على الكلمة المناسبة التي اجتهدت في أن تكون أكثر دلالة من سواها لتحمل عنوان الفقرة، عنوان الظاهرة أو القاعدة الموسيقية وتسوغها وتحللها أيضًا.
أهم قواعد التشكل في موسيقى القرآن تسع هي: التنوع، التقابل، الترجيع، التوقع، الإضافة، الترنم، السكت، القفلة، الفاصلة، وسأمس كل واحدة منها مسًا رفيقًا.
التنوع:
لعل أهم ما يميز الإيقاع النثري من الإيقاع الشعري أن الأول أكثر تنويعًا من الثاني، فمهما حاول الشعر أن يعفي نظمه من التفاعيل حتى ينطلق وراء الإيقاع يجد نفسه مصفدًا بالوزن، أما النثر فليس لديه وزن يقيده ولا أطوال أو أقدار يلتزم بها، لديه حرية كاملة في تخير الإيقاع الذي يلائم التعبير، وعندما يفك ذاته من ربقة القيد، أو يرخي هذا قبضته قليلًا عنه تتدفق نغمات الإيقاع رخية سلسلة ذات ألوان لا حصر لها.