فهرس الكتاب
ربما كان في إيقاع القرآن ثلاث قواعد أولاها توحد الإيقاع مع اختلاف المعنى، وأخراها تنوعه بتنوعه، وثالثتها اتساقه مع الجو العام وتعدده بتعدده، والفرق بين القاعدتين الأخيرتين هو الفرق بين المعنى والجو العام، فقد يكون الجو واحدًا والمعنى متعددًا وقد يكون المعنى واحدًا والجو متعددًا فإذا تم التوافق والانسجام بين النغمة وتعدد المعاني في السورة الواحدة فليس من الضروري أن يطَّرد بين النغمة والمعنى حيثما يرد، وهذا يعني:
1-أن يتسق الإيقاع مع المعنى في آية أو جملة من الآيات.
2-أو يأتي واحدًا في سورة متعددة المعاني.
3-أو يتعدد بتعدد المعاني في السورة الواحدة.
4-أن يتلون رغم توحد المعنى في غير سورة.
5-أن يتغير بتغير الأجواء باطراد لا ينسى.
وينطلق الإيقاع بعد أن أسس قواعده يتلون ويتعدد ويتنوع بتلون وتعدد المعاني والجواء وما أكثرها، وفيما يلي نماذج تطبيقية:
1-في سورة"هود"يقص الله علينا قصة نوح مع ابنه، قصة الطوفان فيقول: (وهي تجري بهم في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين(.
إن التشكل الموسيقي للعبارة يتلاءم التلاؤم كله مع المعنى، فالمشهد عاصف، وموج عات كالجبال، وطوفان يغرق كل شيء، وناس بين الموت والحياة، وهتاف الأب بابنه أن يأتي، ونهاية بالغرق، ويجيء الإيقاع يحمل هذا المعنى فهو يتموج موجات طويلة في البداية، يمتد في عمق وارتفاع، ويشارك في رسم الهول العريض، والأسى الفاجع، وتساعد المدات المتوالية للألفاظ في تكوين الإيقاع عمقًا وسعة وبروزًا حتى يتسق مع المعنى والمشهد العجيب، وينحسر في النهاية سريعًا كما انحسر الموج عن الغريق.