فهرس الكتاب
2-يقول تعالى: (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف(. المعنى هنا مختلف وكذلك الجو، كلاهما يشعر بالمودة والحنان والعطف، ويتشكل الإيقاع منسجمًا ومتسقًا مع ذلك، ومع طول الرحلتين زمانًا بين الشتاء والصيف، ومكانًا من الجنوب إلى الشمال فيجيء هادئًا رخيًا منبسطًا ممتدًا كله أمان وسلام وطمأنينة للنفس البشرية ولنفوس قريش في رحلتيها الآمنتين الرابحتين اللتين صارتا لهما عادة وألفا.
3-ويقول: (ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم(.
تصور السورة الحياة وكأنها ومضة خاطفة في شريط طويل، برهة عابرة، هكذا.. ألهاكم التكاثر.. في الدنيا حتى دفنتم في المقابر، وعبر عن الموت بالزيارة لأن الإقامة فيها هي الأخرى مهما امتدت - قصيرة، وتنتهي ومضة الحياة وتنطوي صفحتها الصغيرة كما تنتهي وتنطوي ومضة الموت وصفحتها، ويمتد بعد ذلك الزمان وتمتد الأثقال..
ويقوم الإيقاع بهذا الإيحاء يحمل المعنى ويتسق معه فهو يبدأ سريعًا صاعدًا ذاهبًا في الفضاء إلى بعيد، وينتهي رصينًا ذاهبًا إلى القرار العميق، إيقاع يقرع قرعات متوالية، يقرع القلوب ثلاث مرات في كل سلم صعودًا وهبوطًا زاجرًا في الأولى مؤكدًا في الثانية، إيقاع أشبه ما يكون بصوت النذير يقوم على شرف عال مادًا صوته، مدويًا بنبرته، يصيح بنوم غافلين سادرين أشرفوا على الهاوية عيونهم مغمضة وحسهم مسحور.