فهرس الكتاب

الصفحة 4089 من 23694

من هنا ذهبنا في مقدمة الفقرة إلى أن دور الفاصلة في القرآن يفوق دورها في الشعر لأن هذا الدور كان لها قبل اكتشاف الوزن الشعري، أما وقد اكتشف في مرحلة لاحقة من العصر الجاهلي فقد كان يمكن للشعر أن يتخلى عنها ولكنه لم يفعل لأسباب لا ترجع إلى قيمتها بل لأسباب لا مجال لمناقشتها، ترجع في الدرجة الأولى إلى تطوره الفني، يكفي أن نقول أن الشعر وافق القرآن في القاعدة العامة للقافية حين ذهب كلاهما إلى ضرورتها ثم اختلفا كلٌ في طريق: ألزم الشعر نفسه بها وتقيد بضروراتها وعللها وحروفها، وتمحل لها الكلمات، واصطنع الألاعيب لإبراز قيمتها الإيقاعية، وأطلق القرآن الحرية كاملة لأسلوبه في أدائها، فلونها ونوعها ورددها في تتابعات متناسقة، بل وخالف كثيرًا شروطها التي قننها الشعر والشعراء. أهمل فيها ألف التأسيس، ولم يتقيد بردف أو دخيل أو توجيه، وأقامها على ألف الإطلاق وحدها وعلى حرف ما قبل الروي، والتزم فيها ما لا يلزم، وكررها ذاتها فيما يسمى بالإيطاء، واستعملها متشابهة ومتخالفة، وأسقطها دون أن يتركها في بعض الحالات.. فعل القرآن هذا كله لا ليطلق أسلوبه من قيود القافية فحسب بل ليجعل فاصلته وسيلة لا غاية، وسيلة للتعبير عن المشاعر والأحاسيس، وبذلك عاد بها إلى بساطتها وعفويتها وطبيعتها التي كانت لها في التآلف والتناغم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت