فهرس الكتاب

الصفحة 4139 من 23694

سعى السفراء في عزة قبائلهم ومنعتها، فساروا يوثقون المواثيق، ويشدون الأحلاف، ولا سيما عندما تشتد عليهم الخطوب، وتغلب عليهم الخصوم. ووقف الشعراء السفراء بين يدي الملوك في الحكومات، يبينون ما يراه قومهم حقًا، ويدفعون ما يرونه جورًا من خصمهم وتعديًا. ولقد كان الحارث بن حلِّزة الشاعر سفير بكر إلى ابن هند الملك اللخمي، في خصومتها مع تغلب للدفاع عن حياة مائة رهينة من بكر، كانت في يد عمرو بن هند، فأنشد ابن هند معلقته:

آذنتنا بينها أسماء

رفع فيها الحارث صوت العقل، ودفع عن قومه الشر والتجني، فحكم عمرو بن هند أنه لا يلزم بكر بن وائل ما حدث لرهائن تغلب، ودفع رهائن بكر إلى الحارث. ... سأبديه إليك، إليك عني

ولم يقصر السفراء سعيهم خارج قبائلهم أو بطون عشائرهم، دعاة صلح، أو سعاة حلف، بل سعوا في قومهم الأدنيين، يقيمون ميلهم، ويزجرونهم عن الغدر والظلم، ويدعونهم إلى الوفاء بالعهد والعقد، ويسعون في رشدهم عندما تضل حلومهم، وتطيش سهامهم، ولقد عرف نابغة بني ذبيان بالحزم ورجاحة العقل وصدق النظر، مما جعل منه ناصحًا مرشدًا لقبيلته، فضلًا عن كونه سفيرها وشفيعها عند الغساسنة، وقد تمكن بحسن سياسته ومهارته من انتزاع قومه من معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وجنبهم الغدر بالحلفاء والوقوع في مصائد الأعداء، وقد قتلت بنو عبس نضلة الأسدي، فقتلت بنو أسد رجلين من عبس فأراد عُيينة بن حصن سيد ذبيان أن يخرج حلفاءه من بني أسد من ذبيان، ويعاون عبسًا عليهم، واندفع في هذا الأمر بحماسة وطيش شأن فتيان الحرب، فشق ذلك على النابغة، وأدرك بنفاذ بصيرته وتجربته أن هذا الأمر سيجلب الشر والضر على ذبيان، وأنه ليس من حسن السياسة أن يقطع قومه حلفهم، بعد كل البلاء الذي أبلته أسد في الدفاع عنهم فخاطب عُيينة، وقال:

ألكني يا عيُين إليك قولًا

أتخذل ناصري، وتعز عبسًا ... أيربوع بن غيظ للمعن

إذا حاولت في أسد فجورًا ... فإني لست منك ولست مني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت