فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان:15 و 16 - السنة الرابعة - رجب وشوال 1404 - نيسان"ابريل"و تموز"يوليو"1984
فهرس العدد
مأساة شاعِر ملك المعتمد بن عبّاد ـــ عيسى فتوح ... ولا يمر لمخلوق على بال
ما إن وطئت قدماي أرض إشبيلية صيف عام 1980، ولاحت لي عن كثب أبراج القصر العربي وبرج الذهب، ومئذنة"الخير الدا"الشامخة بعنفوان إلى السماء، وتهادت أمامي أمواج نهر"الوادي الكبير"، حتى قفزت إلى ذاكرتي مأساة شاعرها وملكها المعتمد بن عباد الذي حكم بها ردحًا من الزمن، وأقام"البازي الأشهب"رئيسًا لحرسه - وكان هذا مغوارًا مَخِّوفًا - واستسلم بعد أن ملك إلى حياة اللهو والعبث والمجون.
عاشت إشبيلية في عهد ملوك الطوائف تحت حكم بني عباد الذين أعقبوا بني جهور، وكان أول من تولى الحكم منهم إسماعيل بن عباد اللخمي الذي اختاره أهل إشبيلية بالإجماع لحصافة عقله، وعلو همته، وحسن تدبيره، ثم خلفه ابنه المعتضد فسار على نهج أبيه في الإصلاح، ونشر العدل، ولكنه استبد وحده في الأمور، وكان صارمًا، قاسيًا، شديد الدهاء، نكل بوزرائه واحدًا بعد الآخر، فمنهم من أماته صبرًا، ومنهم من أماته خمولًا وفقرًا، ومنهم من شرده ونفاه عن البلاد، وظل كذلك حتى توفي عام 464هـ.
وقام بالأمر بعده على إشبيلية ابنه أبو القاسم المعتمد بن عباد الذي كانت حياته كرمًا وأدبًا وملهاة انتهت بمأساة مفجعة، كأكثر الملوك والنبلاء الذين ينغمسون في المجون، ويغرقون في الترف والنعيم إلى أذانهم دون أن يحصنوا ملكهم بما يحتاج من قوة ومن إعداد وإحكام.