فهرس الكتاب
ومن كلامه الجزل قوله يوم كُبِّل فراح يخاطب الكبل قائلًا: ... تصرّم منها كل كف ومعصم
إليك، فلو كانت قيودك أشعرت
مهابة من كان الرجال بسيبه ... ومن سيفه في جنة أو جهنم
ويندب على نفسه، ويبكي حظه السيِئ، ويقارن بين ماضيه المتألق، وحاضره الموحش، وكيف كان رمحه كالثعبان في الحرب، فصار القيد يلتف على يديه ورجليه كالثعبان، ويتوب إلى الله، لعله يفرّج كربته، ويجلو عنه سحب الهموم: ... ثقلت على الأرواح والأبدان
غنتك أغماتية الألحان..
قد كان كالثعبان رمحك في الوغى ... فغدا عليك القيد كالثعبان
قلبي إلى الرحمن يشكو بثه ... ما خاب من يشكو إلى الرحمن
يا سائلًا عن شأنه ومكانه ... ما كان أغنى شأنه عن شاني
شتان بين ماضيه الحافل بالمسرات والملذات، وحاضره الأسود القاتم، بين العز في ظلال الأعلام، وهي ترفرف في ساحات القتال، وبين الذل في القيود التي يجررها وقد ثقلت عليه: ... بذل الحديد وثقل القيود
تبدلت من عز ظل البنود
وكان حديدي سنانا ذليقًا ... وعضبا رقيقًا صقيل الحديد
لقد صار ذاك وذا أدهما ... يعض بساقي عض الأسود
ويأسى على حالة السجن والأسر التي آل إليها في أغمات، بعد الأبَّهة والسلطان، ويبكي الملك الزائل، والمجد الآفل اللذين كانا له في إشبيلية بلد الزيتون، حيث تغني القيان، وتغرد الأطيار فيقول: ... سيبكي عليه منبر وسرير
غريب بأرض المغربين أسير
وتندبه البيض الصوارم والقنا ... وينهلَ دمع بينهن غزير
إذا قيل في أغمات قد مات جوده ... فما يرتجى للجود بعد نشور
مضى زمن والملك مستأنس به ... وأصبح عنه اليوم وهو نفور
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... أمامي وخلفي روضة وغدير
بمنبتة الزيتون (1) مورثة العلى ... تغني قيان أو ترن طيور
بزاهرها السامي الذي جاده الحيا ... تشير الثريا نحونا ونشير
قضى الله في حمص (2) الحِمام وبعثرت ... هنالك عنا للنشور قبور
*** ... على البهاليل من أبناء عباد