فهرس الكتاب

الصفحة 4168 من 23694

لقد رثى أبو بكر بن اللبانة الداني - وكان من أخلص المخلصين للمعتمد بعد نكبته - بني عباد، وصور ما أصابهم، وكيف ركبوا السفن في طريقهم إلى المنفى، وهو يسوق إلينا هذا المشهد على نحو من الصدق والدقة، حتى ليخيل إلينا أننا نرى الناس يتزاحمون على ضفة نهر الوادي الكبير ليروا السفن تبتعد عن الشاطئ بأصحابها، وسط فيض من الدموع الغزيرة:

تبكي السماء بمزن رائع غادي

على الجبال التي هُدت قواعدها ... وكانت الأرض منهم ذات أوتاد

أن يُخلعوا فبنوا العباس قد خُلعوا ... وقد خلت قبل حمص أرض بغداد

حموا حريمهم حتى إذا غُلبوا ... سيقوا على نسق في حبل مقتاد

وأنزلوا في متون الشهب واحتملوا ... فويق دُهم لتلك الخيل أنداد

وعِيثَ في كل طوق من دروعهم ... فصيغ منهنّ أغلال لأجياد

نسيت إلا غداة النهر كونَهُمُ ... في المنشآت كأموات بألحاد

حُط القناع فلم تستر مخدرة ... ومُزِّقت أوجه تمزيق أبراد

حان الوداع فضجت كل صارخة ... وصارخ من مفداة ومن فادي

سارت سفائنهم والنوح يصحبها ... كأنها إبل يحدو بها الحادي

يا ضيفُ أقفرَ بيت المكرمات فخذ ... في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد

ورأى ابنُ اللبانة حفيد المعتمد، وهو غلام وسيم قد اتخذ من الصياغة صناعة، وكان لقب في دولتهم من الألقاب السلطانية يفخر الدولة، فنظر إليه وهو ينفخ النار بقصبة الصائغ فقال: ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما

صرفت في آلة الصواغ أُنُملَة

يد عَهِدتُك للتقبيل تبسطها ... وتستقل الثريا أن تكون فما

يا صائغًا كانت العَليا تُصاغ له ... حَليًا، وكان عليه الحلي منتظما

للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى ... يوم رأيتك فيه تنفخ الفَحَما

وددت إذْ نظرت عيني إليكَ به ... لو أن عينيَ تشكو قبلَ ذاكَ عمى!

ما حطَّك الدهر لما حط عن شرف ... ولا تحيَّف من أخلاقك الكرما

واللهِ لو أنصفتك الشُهبُ لانكشفت ... ولو وفى لك دمعُ الغيثِ لانسجما

بكى حديثَك حتى الدرُّ حين غدا ... يحيك رهْطًا وألفاظًا ومبتسما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت