فهرس الكتاب

الصفحة 4171 من 23694

وأما الأسطورة التي انتقلت من جيل إلى جيل بين الموسيقيين الشعبيين فقد حفظت حتى يومنا هذا أن ابن سينا وحده - من بين علماء عصره - الذي يستحق لقب"الشيخ الرئيس"لأنه كان متعمقًا في جميع علوم عصره ومن بينها علم الموسيقا (1) وفي كل الأحوال، كان ابن سينا ضليعًا بفن الموسيقا في عصره ومستوعبًا لخصائصه وسماته المميزة على نحو رائع.

وهذا بالذات، إضافة إلى إعادة صوغه للتراث الفني القديم في ميدان الموسيقا النظرية وعلم الجمال، وتراث سلفه الفارابي في هذا المجال، أتاح له إنشاء أعمال هامة في علم الموسيقا. ففي كتبه الشهيرة ذات الطابع الموسوعي:"الشفاء"و"النجاة"و"داتش نامه"أي (كتاب المعرفة) وغيرها من المؤلفات التي أفرد فيها فصولًا عن الموسيقا. استطاع أن يوضح ذلك المستوى الذي وصلت إليه المعارف الموسيقية والجمالية في عصره، كما طور بعض مفاهيم الثقافة الموسيقية محددًا اتجاه تطورها اللاحق في الشرق الأدنى والأوسط خلال العصور الوسطى. وفي حقل الثقافة الموسيقية بالذات يقف أمامنا ابن سينا بوصفه أعظم مفكر إنساني في عصره يجمع في شخصه أكثر الاتجاهات التقدمية في الفكر الاجتماعي القديم.

فهنا تبرز العناصر المادية في منظومته الفكرية بوجه خاص.

إن ما قدمه ابن سينا في الموسيقى وعلم الجمال لا يمكن فهمه أو استيعابه معزولًا عن مواقفه الفلسفية. فهو يخضع الموسيقا لصالح التربية الأخلاقية، ولتطوير العالم الروحي للإنسان. لقد كانت فكرة الشخصية المتطورة تطورًا متناسقًا، والتي تجمع بين الكمال الجسماني للإنسان وغنى عالمه الروحي وسموه الأخلاقي، هي التي حددت مكانة الموسيقا وأهميتها في المنظومة التربوية عند ابن سينا. ومن هنا جاءت أفكاره الموسيقية والجمالية متميزة بالتماسك والانتظام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت