فهرس الكتاب
*وممن تولى الرد على الآخذين بهذا الرأي الدكتور كمال بشر، وهو أحد العلماء المختصين، فقال (20) : (في رأينا أن دراسة العرب لأصوات لغتهم إنما هي دراسة أصيلة، ليست منقولة في منهجها أو طريق التفكير فيها عن غيرهم من الأمم، والقول بأنها ترجع إلى أعمال الهنود أو اليونان في دراساتهم الصوتية قول تعوزه الأدلة العلمية التي تستطيع أن تؤكد هذا الزعم أو تنفيه، على أن النظر الدقيق في جملة ما طلع علينا به علماء العربية في مجال الأصوات اللغوية يحملنا على الجزم بأن هؤلاء العلماء كانوا يصدرون عن عقليتهم الخاصة وثقافتهم العربية) .
*ثم أتى بدليل على صدق قوله يتصل بمنهجهم في الدراسة الصوتية، فرأى أن هذه الدراسة تقوم على أساس نطقي، كما عند الغربيين، يعنى بالخواص النطقية للأصوات ووظائف جهاز النطق وحركات أعضائه عند إخراج الأصوات، وهذا مخالف لما سلكه اليونان، إذ اعتمد هؤلاء أولًا على الخواص السمعية للأصوات، وإذا كان منهج العرب يشابه منهج الهنود عامة، فإن فيه اختلافات كثيرة في التفصيلات، وهو منهج وصفي يعنى بدراسة الظاهرة اللغوية في معزل عن تطوراتها التاريخية، ويخلو من الافتراضات العقلية والمتاهات الفلسفية، ويقوم على أساس من أهم أسس البحث الصوتي اليوم وهو الملاحظة الذاتية.
*ورأى الدكتور بشر أيضًا أن فيما قام به العرب سبقًا تاريخيًا وعلميًا، وإذا كان الهنود قد سبقوهم تاريخيًا في الدرس الصوتي، فإن هذا لا ينفي أن يكون العرب روادًا فيه، فأبجديتهم، - كما يقول (21) - فيها مبادئ صوتية رائعة، ويتحقق فيها أحدث الآراء في الدرس الصوتي إذ أن فيها رمزًا واحدًا لكل واحدة صوتية، ثم إن لهم سبقًا في إدراك معنى الجهاز النطقي ومعرفة وظيفته وطبيعته. وهذا سيتضح عند ابن جني خاصة، ولهم سبق أيضًا في ترتيب الأصوات حسب المخارج بدقة والعناية بتصنيفها وتقسيمها إلى مجموعات متداخلة.