فهرس الكتاب
*لعله قد ظهر لنا من خلال العرض السابق أن أئمتنا الأوائل اعتنوا بالظواهر الصوتية عناية واضحة، أما لماذا كانت هذه العناية؟ فلقد سبق أن أشرنا إلى أن الصوتيات العربية نشأت في أحضان لغة القرآن، ونؤكد الآن أن عنايتهم بها كانت، بالدرجة الأولى، سعيًا وراء هدف سام نبيل هو المحافظة على كتاب الله وصيانته من اللحن والتحريف، أضف إلى ذلك أنهم أدركوا منزلة الدراسة الصوتية في العلوم اللغوية وارتباطها الوثيق بما عالجوا من قضايا نحوية وصرفية ودلالية وبلاغية. وهذا يذكرنا بما نعرفه في اللسانيات الحديثة من صلة درس الجانب الصوتي في اللغة بدرس الجوانب الأخرى التي أشرنا إليها في مطلع هذه الدراسة.
*ثم إن علوم العرب اللغوية نشأت أول ما نشأت على السماع، فبه حملوا الشعر عن الرواة وحملوا القرآن الكريم والحديث النبوي، وعليه اعتمدوا في نقد عيوب الشعر، وفي تقعيد القواعد، وعليه أيضًا انبنى علم التجويد والقراءات، وعلى هدي منه اتخذت بعض معايير الفصاحة وبه قبست لغات القبائل المذمومة ولهجاتها (17) .
*فهذه الأمور الثلاثة كانت من جملة الأسباب التي تضافرت على جعل علمائنا الأقدمين يهتمون بالدرس الصوتي على النحو الذي رأيناه، وسنراه عند ابن جني.
4-الأصالة والسبق:
*رأينا فيما تقدم، أن للعرب قدمًا ثابتة وباعًا طويلة في الدراسات الصوتية، ونذكر الآن أن لهم فضل السبق في الوصول إلى نتائج وحقائق علمية صوتية في غاية الدقة، ذلك أن من العلماء والمستشرقين الأجانب، بل من الباحثين العرب المحدثين من يقول أن الصوتيات العربية متأثرة ببحوث الأمم السابقة على العرب كالهنود واليونان، وعنهم نقلوها (18) ، ولعل ما ساعد على هذا القول أمران اثنان هما إهمال المسلمين للدراسات الصوتية في عصر الدول المتتابعة، وكون المستشرقين أول من تحدثوا عنها في عصر النهضة (19) .