فهرس الكتاب
*ويتصل بما نحن فيه نص نقع عليه عند ابن جني يستوقف النظر، وهو قوله (26) (ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل) ، وهذا النص يتعلق بإحدى النظريات المعروفة في نشأة اللغة، هي نظرية المحاكاة Onomatopoeia التي تقول إن اللغة محاكاة لأصوات الطبيعة،ولم يعز ابن جني هذا القول إليه، إلا أن أحدًا لم يسبقه إلى ذكره، أضف إلى هذا أنه ركز القواعد التأسيسية لهذه النظرية في تراثنا العربي، فقلبها على أوجهها الممكنة، وجعل للمحاكاة مراتب أربعًا هي المحاكاة الصوتية أي تسمية الأشياء بأصواتها ومحاكاة هيكل اللفظ لجملة الدلالة ثم المحاكاة التعاملية أي تعامل دلالة الأصوات الفيزيائية ودلالة الهيكل الوزني، وأخيرًا التركيب السياقي (27) . ومن الواضح عناية ابن جني بهذه النظرية، بل إن الجملة الأخيرة في القول الذي سقناه هنا صريحة في بيان رضاه عنها، ولا تحتاج إلى تأويل.