فهرس الكتاب
*بقي أن نقول إن الكثير من الباحثين اللسانيين اليوم يرون أن الحديث عن نشأة اللغة أمر غير ذي فائدة، ذلك أنه بحث في الغيبيات، ولا يوصل إلى حقائق يقينية يمكن الركون إليها والتسليم بها، وهو أقرب إلى الفلسفة اللغوية منه إلى البحث اللغوي العلمي (28) ، ولكن إذا ما تحدث باحثون عن هذه النشأة رأيت منهم من يميل إلى الانتصار لما قاله ابن جني قبل عشرة قرون، فالقول بالمحاكاة اليوم أحد مذهبين مفترضين عند من يقول إنّ أصل اللغة اصطلاح ومواضعة لا توقيف وإلهام، وقد أخذ به معظم العلماء المحدثين مع تعديل طفيف، وعلى رأسهم العالم الإنكليزي وتني في القرن التاسع عشر (29) ، فلابن جني إذن فضل السبق العلمي، وإن كان القول بالمحاكاة في اللغة لا يخلو من مبالغة، وإذا صح في ألفاظ قليلة، فإنه لا يصح إطلاقه وتعميمه على ألفاظ اللغة كافة.
2-علم الأصوات:
*كانت الأصوات الشغل الشاغل لابن جني، ولها في تفكيره اللغوي جذور عميقة، وعلى هدي منها عالج كثيرًا من القضايا اللغوية، وخاصة ما اتصل منها بالصرف الذي كان فيه العلم الأول بلا منازع، ونرى هذا بوضوح في كتابيه سر الصناعة، والخصائص (30) ، بل إن الصوتيات تطل بين الحين والحين من ثنايا ما شرحه من أشعار.