فهرس الكتاب

الصفحة 4203 من 23694

*وابن جني أول من جعل الأصوات علمًا، وأطلق عليها هذا اللفظ الواضح الصريح قبل الغربيين بقرون، ودل به على دراسة الأصوات والبحث في مشكلاتها المختلفة على نحو مشابه للدرس الصوتي الحديث، أسمعه يقول (31) (هذا القبيل من هذا العلم. -أعني علم الأصوات والحروف- له تعلق ومشاركة للموسيقا لما فيه من صنعة الأصوات والنغم) ، فقد أدرك إذن أن علم الأصوات علم قائم بذاته، وإن كانت كلمة علم لا تعني يومذاك ما نعنيه اليوم من أسس وقواعد منهجية دقيقة. وكلام ابن جني واضح الدلالة على أن الأصوات أخذ ينظر إليها في القرن الرابع الهجري على أنها يمكن أن تدرس درسًا مستقلًا، كما كانت تدرس علوم اللغة، بالاصطلاح القديم، من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، ويرى الدكتور كمال بشر أن مصطلح علم الأصوات عند ابن جني على الصورة التي رسمها لهذا العلم جاء سابقًا للمصطلح الأوروبي المقابل له وهو الفونيتيك Phonetics (32) .

*وقد وردت تسمية علم الأصوات في كتاب من أهم كتب ابن جني هو (سر صناعة الإعراب) (33) وهو أول كتاب مستقل يؤلف في هذا العلم، إذ لم يعرف العرب قبله كتابًا موقوفًا على الأصوات وحدها، وهناك من يرى أنه أول كتاب في العالم مختص بالأصوات، ولا يقارن بكتاب بانيني العالم الهندي (القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد) ، لأن ذلك الكتاب - ويسمى المثمن - لم يكن خاصًا بالأصوات، بل هو في النحو السنسكريتي عامة (34) .

*جمع ابن جني في كتابه الدراسات الصوتية السابقة التي نشأت ضئيلة عند الخليل وسيبويه ثم تتابع عليها المعنيون بها من بعدهما، حتى وصلت على يده إلى القدر الذي يحويه هذا الكتاب، فقد كان القرن الرابع عصر تطور ونهضة في العلوم الإسلامية عامة، وجاء كتاب سر الصناعة موضحًا لمعالم الدراسات الصوتية التي عني بها أهل اللغة في هذا القرن في جملة ما عنوا به من علوم، ووسع مجال القول فيها، وقوى تأثيرها في فروع الثقافة الأخرى (35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت