فهرس الكتاب
*وقد عد ابن جني الفتحة أولى الحركات وأدخلها في الحلق، وبعدها الكسرة ثم الضمة، فإذا بدأت الفتحة، وتصعدت تطلب صدر الفم والشفتين اجتازت في مرورها مخرج الياء والواو فجاز أن تشمها شيئًا من الكسرة أو الضمة، ومن هنا كانت ظاهرة الإمالة Inclination، وهي جنوح بالألف إلى الكسرة وظاهرة التفخيم Velaiarsation وهي جنوح بالألف إلى الضمة، والإمالة والتفخيم في الألف عنده حرفان مستحسنان يؤخذ بهما في القرآن الكريم وفصيح الكلام، معنى هذا أن ابن جني عرف الحركات الفرعية، ونص على هذا بوضوح فقال: (وهناك حركات فرعية أخرى كالتي بين الفتحة والكسرة والتي بين الضمة والكسرة ومحصولها على الحقيقة ست حركات) فإذا نظرنا إلى الحركات بمنظار المحدثين رأيناها في العربية ثلاثًا في الوظيفة والتمييز بين المعاني، ولكنها في النطق تسع، ذلك أن كل حركة يصيبها التفخيم أو الترقيق، وقد تكون في مرتبة متوسطة بينهما، وإذا عددنا حروف المد حركات طويلة كان لنا من كل حركة ست صور ويصبح مجموع الحركات عندئذ ثماني عشرة (70) وواضح أن التفخيم أو الترقيق للحركة أو نطقها بين بَين لا يؤثر في المعاني إنما هي صور نطقية، والمهم فيما نحن فيه أن ابن جني تنبه على طرائق نطق الصوائت، وذكر صعوبة النطق في بعضها، فلو تكلفت مثلًا أن تشم الكسرة أو الضمة رائحة الفتحة لاحتجت إلى الرجوع إلى أول الحلق، وفي هذا مشقة.
*بقي أن نشير إلى رأي ابن جني في قضية خلافية قديمة هي: ترى ما السابق الحرف أم الحركة؟ وقد رأى بعض العرب أن السابق هو الحركة. ووقف آخرون موقفًا وسطًا فقالوا بأنهما يحدثان معًا، أما ابن جني وقبله سيبويه، فقد رأيا أن موضع الحركة من الحرف بعده لا قبله، وهو رأي لم يحاول المحدثون أن ينقضوه لأن الأدلة والشواهد التي جاء بها ابن جني كانت قوية (71) .
2-مخارج الأصوات: