فهرس الكتاب
*ولم يكتف ابن جني بمجرد التمييز بين الصامت والصائت، بل تحدث عن الصوائت حديثًا خاصًا، وأدرك نوعًا من العلاقة يقوم بين الحركة وحروف المد يتوضح في النص التالي الذي يستوقف النظر (اعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو، فكما أن هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث وهي الفتحة والكسرة والضمة، فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء والضمة بعض الواو، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة والضمة الواو الصغيرة، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة) (66) ويؤخذ من هذا النص أمر هام هو أن الحركات تشترك مع حروف المد في ناحية النطق والوضوح السمعي، إلا أنها اقصر من تلك الحروف، فهي أبعاض لها، ودليل ابن جني على هذا أنك متى أطلت الحركة صارت حرف مد، وفي هذا يقول (67) (ويدلك على أن الحركات أبعاض لهذه الحروف أنك متى أشبعت واحدة منهن حدث بعدها الحرف الذي هي بعضه) ، ويأتي بأمثلة على هذا منها أنك إذا أشبعت فتحة عين عمَر حصلت على عامر، وإذا أشبعت ضمة عين عُمر حصلت على عومر، (فلولا أن الحركات أبعاض لهذه الحروف وأوائل لها لما نشأت عنها، ولا كانت تابعة لها) وعلى هذا يمكن أن نعد حروف المد عند ابن جني حركات طويلة -على نحو ما يرى المحدثون- وإن لم ينص على أنها حركات، فهذا مفهوم من كلامه (68) ، إذ أن الحركات والحروف تتفق في كل شيء مع فارق واحد هو الطول والقصر، ثم إن إشارة ابن جني إلى متقدمي النحويين تذكرنا بأن هؤلاء أدركوا ما وضحه وهذا ما نلاحظه إذا نظرنا في صنيع الخليل حين اخترع علامات الضبط التي ما نزال نستعملها إلى اليوم (إذ أخذ من حروف المد صورها مصغرة للدلالة عليها، فالضمة واو صغيرة في أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة - والكسرة ياء متصلة تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوقه) (69) .