فهرس الكتاب
*ثم إن ابن جني تنبه على ضعف بعض الأصوات إذا ما دخلت في حيّز التشكيل الصوتي أو في الكلام، حسب تعبيره، فهي قوية ما دامت ساكنة نحو قولك اح اص أث، فإذا قلت يحرد ويصبر مثلًا خف ما كان للصوت من جرس عند الوقوف عليه، وسبب ذلك (106) (أنك إذا وقفت عليه، ولم تتطاول إلى النطق بحرف آخر من بعده تلبثت عليه، ولم تسرع الانتقال عنه، فقدرت بتلك اللبثة على اتباع ذلك الصوت إياه، فأما إذا تأهبت للنطق بما بعده، وتهيأت له، ونشمت فيه(ابتدأت) ، فقد حال ذلك بينك وبين الوقفة التي يتمكن فيها من إشباع ذلك الصويت، فيستهلك إدراجك إياه طرفًا من الصوت الذي كان الوقف يقره عليه، ويسوغك إمدادك به إياه به)، ولعل سبب القوة التي تصيب الحرف في حالة تسكينه همزة الوصل المكسورة التي تلفظ قبله لنتوصل بها إلى النطق به ساكنًا، إذ قال عن هذه الهمزة (107) (هذا القدر من الصوت إنما هو متمم للحرف وموف له في الوقف، فإذا وصلت ذهب أو كاد، وإنما لحقه في الوقف لأن الوقف يضغط الحرف) .
كما أن ابن جني نظر إلى الأصوات من زاوية إمكان النطق بها حين تجتمع، وذكر من أضربها اثنين يهماننا في هذا المقام، الأول ما لايمكن النطق به أصلًا مثل ما اجتمع فيه ساكنان كسماء وقضاء إذ إن الأصل في سماء سماوٌ، وفي قضاء ايٌ فلما وقعت الواو واليا طرفًا بعد ألف زائدة قلبتا ألفين، فصار التقدير بهما إلى سماا وقضاا، وهذا لامكن النظق به، لذا انقلبت الثانية إلى همزة ( أفلا تعلم أن أحد ما قدّرته- وهو التقاء الألفين- لا قدرة لأحد على النظق به( 108) . وشبيه بهذا حالة مبيع ومكيل ومقول ومصوغ.