فهرس الكتاب
*وأما الضرب الآخر، فهو ما يمكن النطق به. إلا أن ما في هذا النطق من ثقل دعا إلى رفضه إلا الشاذ القليل نحو ميزان وموقن ونحوهما، فأصل الأولى مِوزان، وأصل الثانية ميقن، إلا أن نقل النطق بالواو والياء في هذا الموضع دعا إلى قلب الواو إلى ياء والياء إلى واو (فكل هذا وغيره، مما يكثر تعداده، يمتنع فيه استكراهًا للكلفة فيه، وإن كان النطق به ممكنًا غير متعذر) (109) .
مرة أخرى نلاحظ الحاح ابن جني على قضية استثقال النطق والكلفة فيه، وتتصل هذه بنظرية سبق أن أشرنا إليها، هي نظرية السهولة التي نادى بها بعض المحدثين، ومنهم العالم الأمريكي وتني (- 1894 م) ، وتقول (إن الإنسان في نطقه لأصوات لغته يميل إلى الاقتصاد في المجهود العضلي، وتلمس أسهل السبل مع الوصول إلى ما يهدف إليه من إبراز المعاني وإيصالها إلى المتحدثين معه فهو لهذا يميل إلى استبدال السهل من أصوات لغته، بالصعب الشاق الذي يحتاج إلى مجهود عضلي أكبر) (110) .
*وقد ذكر ابن جني قاعدة أخرى في التشكيل الصوتي هي أن الحركة مصدر قوة للحرف لذا كانت الحروف الساكنة أميل من المتحركة إلى الحذف والزوال، فالياء والواو في الأصل حرفا مد أو صائتان بالتعبير الحديث، لكنهما إن تحركا قويا وألحقا بالحروف الصوامت، وفي هذا يقول (111) (الياء والواو لما تحركتا قويتا بالحركة فلحقتا بالحروف الصحاح، فجازت مخالفة ما قبلهما من الحركات إياهما) ، والمحدثون اليوم يرون أن الياء في نحو يترك والواو في نحو ولد يقعان موقع الصوت الصامت في التركيب الصوتي للغة العربية، ويملكان، مثله، القدرة على التفريق بين المعاني، وهما، في هذه الحالة في مرتبة بين بَين، فلهما شبه نطقي بالحركات من جهة، ولهما شبه وظيفي بالصوامت من جهة أخرى، لذا عدَّهما بعض العلماء من أنصاف الصوامت، ولكن الأشهر عدهما من إنصاف الحركات Semi Vowels (112) .