فهرس الكتاب
ونحن حين نجد كتابًا في إهابه الأخير مطبوعًا بين أيدينا سهل المتناول، يصعب علينا أن نقدر الجهود التي بذلت لأجله والساعات الطويلة التي عاشها معه صاحبه أولًا ثم محققه ثانيًا، حين يكون الكتاب قديمًا مخطوطًا. ولكن لنستطيع تقدير ذلك يكفي أن نذكر كم من الوقت نمضي نحن في قراءته فقط، بعد أن أصبح جاهزًا شهيًا معدًا للقراءة.
وهكذا وصلتني نسخة الكتاب منذ أشهر، وكنت أنظر إليها بين الحين والحين؛ تارة أقرأ المقدمة، وتارة أقرأ بعض الصفحات المتفرقة، ولكن مثل هذه القراءات لا تشفي غليلًا، ولا تروي ظمأً، إلى أن شاء القدر، وانصرفت إليه كليًا، فكان سلوتي وسميري حين أخلو إلى نفسي، حتى أنجزت قراءته.
عدت أثناء ذلك إلى المقدمة من جديد لأجد أن المحققة قد عرضت فيها أولًا الظروف التي جمعتها بهذا الجزء من الكتاب، ودفعتها إلى تحقيقه. ثم أوردت ترجمة للمؤلف تحدثت فيها عن مولده ونشأته وبيئته وشخصيته حديثًا واضحًا بينًا مشوقًا، يوحي بالمعاشرة الطويلة لهذا العالم من خلال صحبتها لكتابه (تاريخ دمشق) طوال عقد ونيّف من السنين.
وقد ضمنت المقدمة مخططًا جغرافيًا هامًا، وضحت فيه المدن التي زارها ابن عساكر في رحلاته، وقرنت تلك الرحلات بتواريخها معتمدة على المراجع الكثيرة المتحدثة عن ابن عساكر وحياته وتنقلاته. وقد جعلتنا نعيش مع المؤلف مراحل عمره إلى أن أدركه المشيب، فأخذ ينشد:
أيا نفس ويحك جاء المشيب
تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء المشيب كأن لم يزل
كأني بنفسي على غرة ... وخطب المنون بها قد نزل
فيا ليت شعري ممن أكون ... وما قدر الله لي بالأزل