فهرس الكتاب
ثم يسهب المعري في أمور لغوية متعددة بدءًا من ريمك إلى سقر إلى جهنم وغيرها حتى يصل إلى جماعة من خمان الأدباء (خمان الأدباء يعني خشارتهم) قصرت أعمالهم عن دخول الجنة ولحقهم عفو الله فزحزحوا عن النار وهم يخاطبون رضوان فيقولون له: يارضو على الترخيم فيستكثر عليهم هذه المخاطبة التي لم يخاطب بها من قبل ثم يلتمسون منه الدخول إلى الجنة ليعلموا أهلها العربية السليمة ويفسروا لهم معاني تسمياتها الغريبة من سندس وطوبي وعبقري وغيرها يشرحون أصولها وكيفية تصريفها واستخدامها استخدامًا صحيحًا فصيحًا ويبرعون في الإقناع أشد البراعة ولكن رضوان يقول لهم"فانصرفوا رحمكم الله فقد أكثرتم الكلام فيما لا منفعة فيه وإنما كانت هذه الأشياء أباطيل زخرفت في الدار الفانية فذهبت مع الباطل"فإذا رأوا جده في ذلك رجوه في مخاطبة بعض علمائهم الذين حصلوا في الجنة فيخيرهم فيؤثرون الخليل بن أحمد الفراهيدي فيشرف عليهم من الجنة قائلًا لهم"وإنما افتقر الناس في الدار الغرارة إلى علم اللغة والنحو لأن العربية الأولى أصابها تغيير. فأما الآن فقد رفع عن أهل الجنة كل الخطأ والوهم فاذهبوا راشدين".
وهكذا يؤكد المعري على أن من أدركتهم حرفة الأدب ليس لهم حظ في الدنيا ولا يغني عنهم أدبهم وعلمهم أي غناء في الحياة الأخرى. هذا ما يظهر من مرامي المعري القريبة غير أن إحساسي وشعوري يحدثانني بأن هناك مرامي أبعد من ذلك قصد إليها المعري ولم نستطع استنباطها وقد يأتي من يفعل. فمن خلال الحوار ومن خلال ما أثاره هو سواء على لسان الملائكة أو لسان خمان الأدباء أو غيرهم تلمح إشارات ورموز لأبعاد خفية ودنيا فكرية واسعة تحتاج إلى يد صنّاع لتكشف عنها البرقع حتى تقف على الحقيقة. وما يؤنس من خلال رحلتي مع المقدمة الحوارية أن المعري قد أدرك ما فاته من رسالة الغفران وبخاصة مشهدي القبض وحساب القبر وما يرد عليهما من أحوال.