فهرس الكتاب
وإذا كان الأمر كذلك وهو أنه لا قيم إنسانية دون حياة إنسانية فكيف يعرض المرء نفسه للخطر ولا جتثاث حياته ويقبل طوعًا أو كرهًا غشيان الموت فداء لقيمة عليا كالدفاع عن الوطن أو الشرف أو تحقيقًا لغاية نبيلة؟ ذلك أنه يستطيع أن يلمح أو يشهد في بصيرته أو في فكره ووجدانه حقيقة القيمة التي يدافع عنها ويقرن بها حياته فيجد حياته التي هي محور القيم مرتبطة بالهدف الذي يحميه أو يسعى لتحقيقه فالهدف والغاية التي يشهدها أرسخ من حياة زائلة حائلة. إن تصور ذلك الهدف أرسخ وأعمق من حياة لا تغدو هي نفسها مركزًا للقيم ومحورًا لها وميدانًا لتحقيقها. وهكذا تبدو الحياة ذات مستويات تابعة لمستويات القيم التي تتلامح ويشهدها أولو البصائر والقلوب العالية والمطامح الشريفة. فحياة النبات غير حياة الحيوان وحياة الحيوان غير حياة الإنسان وحياة الإنسان محكوم على مستواها بالقيم التي يسعى نحوها الإنسان نفسه. وحياة الفكر والعلم والرفعة والسعي في تحقيقها أعلى مستوى وأرسخ قيمة من حياة فاشلة بهيمية تافهة ترتسم ظلاًّ كابيًا على سطح الأرض ولا تلبث أن تزول. لذلك كانت الحياة الحقيقية حياة رفعة وعلم وفكر وعمل صالح يخدم الناس والمجتمع والإنسانية. فإذا مات المرء الذي يعيش في هذا المستوى أو قُتِل وهو يعمل كان شهيدًا شهد حقيقة الحياة الرفيعة وغدا إذا قتل أو مات حيًا بتلك المبادئ التي تمسك بها ودافع عنها، وبتلك الغايات التي سعى نحوها وعمل على تحقيقها. وحياته بعد الموت أعلى من حياة كثيرين غيره مما لا شأن لهم سوى الحياة البهيمية.