فهرس الكتاب
أما أصحاب الرواية المخالفة، فقد أنهى ابن طفيل كلامه عنهم بقوله:"... ثم قذفت به في اليم، فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته إلى ساحل الجزيرة الأخرى المتقدم ذكرها، وكان المد يصل في ذلك الوقت، إلى موضع لا يصل إليه إلا بعد عام. فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر، عذبة التربة، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس، تزورُّ عنها إذا طلعت، وتميل إذا غربت. ثم أخذ الماء في النقص والجزر عن التابوت الذي فيه الطفل، وبقي التابوت في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك، حتى سدت باب الأجمة على التابوت، وردمت مدخل الماء إلى تلك الأجمة، فكان المد لا ينتهي إليها، وكانت مسامير التابوت قد قلقت، والواحه قد اضطربت عند رمي الماء إياه في تلك الأجمة. فلما اشتد الجوع بذلك الصبي، بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها... فتتبعت الصوت... حتى وصلت التابوت، ففحصت عنه بأظلافها، وهو ينوء ويئن من داخله، حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه، فحنت الظبية... وألقمته حلمتها، وأروته لبنًا سائغًا. وما زالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى (8) ".
هاكم الروايتين في اختلافهما. لكنهما تتفقان في ما عدا ذلك. وبهذا المعنى يقول ابن طفيل:"ثم استوى ما وصفه هؤلاء بعد هذا الموضع، وما وصفته الطائفة الأولى في معنى التربية (9) ".
ويتابع ابن طفيل رواية قصة حي، فيبين كيف ظلت الظبية تعنى به، وكيف استمر شأنها حتى أصبح قادرًا على المشي، وكيف كانت تحمله إلى الأماكن ذات الأشجار المثمرة، وتطعمه من ثمراتها الناضجة، ولا تبخل عليه بالرضاع حينما يرومه، وكيف ألف الطفل الحياة مع الوحوش، وتعلم تقليد أصواتها.